رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٩١ - سير الرحلة من بيت الفقيه إلى عدن، و جبلة و تعز و حاس
تتعذى منه. و انتقلنا بعدها إلى معت(M te) و منها إلى زبيد، بعد أن سرنا ميلا عبر الأرياف الجميلة و يمكننا أن نستنتج بالتالي أن حاس تبعد عن زبيد أربعة أميال و ٣/ ٤ الميل.
كان الحر شديدا في تهامة، عند خروجنا من المنطقة الجبلية، حيث الطقس بارد بعض الشيء. و ترجلنا عن الحمير في قرطاب قرب خان خارج البلدة. و كانت جدران هذا المنزل الأربعة مبنية من الأحجار الخام الموضوعة الواحدة منها فوق الأخرى. و رغم أن الحر لا يحتمل في الخارج، شعرنا في الداخل بالهواء المتسرّب من الشقوق فمنحنا إحساسا لذيذا بالانتعاش. و كان يجدر بي أن أتغطى بالقماش القطني الطويل، الذي يلف عادة حول الكتف؛ إلا أنني تمددت أرضا و استرسلت في النوم بعد أن أنهكني الحر، و تعب السفر. فأصبت بالحمى يوم وصولنا إلى زبيد. و بعد أن تحسنت حالتي تابعنا في السادس من نيسان/ أبريل طريقنا من زبيد إلى بيت الفقيه، سالكين الطريق نفسها التي و صفتها آنفا. و لكنني عانيت لبعض الوقت من الحمى الثالثة التي أضعفتني كثيرا إلى حد أنني لم أعد أقوى على فعل أي شيء.
و عند عودتنا إلى بيت الفقيه وجدنا السيد دوهافن متوعكا، نظرا لإصابته بداء الحفر؛ فهو يشعر بالاشمئزاز من طبيعة الحياة التي كنا نعيشها خلال رحلتنا. فمنذ فترة طويلة لم نستطع التزود بالنببيذ و المشروبات الروحية و اكتفينا بشرب المياه و القهوة. و مياه تهامة كانت بمعظمها ملوثة فضلا عن أن القهوة تهيج الدم. أما الكيشر فمذاقه لا يعجبنا، رغم أن العرب يعتبرونه مفيدا للصحة. و لقد طلبوا منا أيضا أن نمتنع عن أكل اللحمة؛ و كان هذا صعبا علينا خلافا لحال سكان البلاد الذين يتزودون بأطعمة أخرى أكثر بساطة، فيمكنهم الاستغناء عنها بسهولة. غير أن طباخنا لم يعثر في شبه الجزيرة العربية على مكونات أخرى لتحضير أطباق أوروبية شهية؛ لهذا السبب كنا نتناول اللحوم يوميا في مقرنا العام، إن كان يصح أن أطلق على المكان الذي أقمنا فيه هذه التسمية؛ فتدهورت بالتالي صحة الأشخاص الذين لا يتنقلون كثيرا خاصة السيد دوهافن الذي لا يغادر المنزل، و لا حتى مقعده أو سريره إلا لتناول الطعام.
في تلك السنة، صادف اليوم الأول من عيد الفطر، في بيت الفقيه في ١٤ نيسان/ أبريل، حيث غادر صاحب الدولة البلدة برفقة عدد كبير من السكان، و قصدوا صرحا كبيرا محاطا بالأسوار يسمى المصلّى (راجعوا اللوحة(LXII) بغية الصلاة في الهواء الطلق. يستمر هذا العيد ثلاثة أيام، لا يمكنك خلالها إقناع أي عربي بالسفر معك، أو بتأدية خدمة لك إلا إن دعت الحاجة الماسّة لذلك.
و في ١٧ نيسان/ أبريل، شاهدت في بيت الفقيه مثالا على صلابة العرب في المآسي. اندلعت النار في ذاك اليوم في منزل واقع في الجهة الجنوبية للبلدة؛ و لما كان الهواء الجنوبي يعصف بشدة التهمت النيران جزءا كبيرا من المدينة. غير أن العرب لم يفقدوا رباطة جأشهم، و لم نسمعهم يصرخون أو ينتحبون؛ و إن عبّر أحدهم عن أسفه لحالهم، قالوا له إنها إرادة الله. كنا نقيم في منزل حجري على مقربة من المدينة المشتعلة؛ و رغم أن الأكواخ المحيطة بنا تحولت رمادا لم نتعرض لأي سوء. و عند ما صعدنا إلى السطح