رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٥٩ - الرحلة من جدة إلى مخيّة
في وصف شبه الجزيرة العربية. و إلى الشرق من مخيّة و على بعد ميل و ٣/ ٤ منها، نجد جبلا صغيرا يحمل اسم كوخشا(Ko ?scha) و تكثر فيه الأملاح المعدنية التي تستخرج منه بسهولة.
و جمعنا في مخيّة كمية كبيرة من الغرائب الطبيعية، و بما أن نقلها برا مكلف للغاية، أرسلناها إلى المخا بحرا مع أمتعتنا التي لم نكن بحاجة إليها خلال رحلتنا عبر اليابسة. و أضاف الأمير فرحان إليها رسالة موجهة إلى صاحب الدولة في المخا، يرجوه فيها أن يسمح بإبقاء أمتعتنا في الجمارك لحين وصولنا. و بعد أن جمعنا كافة المعلومات التي تهمّنا حول هذه المنطقة من شبه الجزيرة العربية، أعربنا عن رغبتنا بزيارة مدن أخرى من هذه المملكة. و وجدنا الحجة المثلى في خبر وصلنا عن مركب إنكليزي وصل إلى المخا من الهند في أواسط شهر شباط/ فبراير، و أعلمنا صديقنا الأمير فرحان بنيتنا التوجه إلى بيت الفقيه، و الاستراحة فيها ثم إكمال طريقنا إلى المخا. فسألنا عمّا يثير استياءنا في مخيّة و أكد لنا أنّ ما من حاكم في بلاد الإمام سيهتم لأمرنا بقدره هو، و كان محقا فيما قاله. و بعد ذلك أصبح الحكّام، الذين لم يأبهوا لأمرنا من أعزّ أصدقائنا. و كان الأمير فرحان يعلم أن ما من مركب يعود إلى الهند قبل حزيران/ يونيو، و أراد أن نبقى عنده حتى ذاك الحين، لكن حين أعربنا عن حاجاتنا للتحدث مع مواطنينا (يصبح الأوروبيون كلهم مواطنين في هذه البلاد البعيدة) وافق على ما أردناه، فقمنا باستئجار الجمال و الحمير في الحال لنقلنا و متاعنا إلى بيت الفقيه.
و يوم أردنا توديع الأمير فرحان، لم نتمكن من التحدث إليه لمرض ألمّ به في ذاك اليوم، فطلبنا إعلامه بسبب زيارتنا، و بأننا سنسافر إلى بيت الفقيه في اليوم التالي. و طلب منا البقاء ليوم أو يومين في مخيّة، لكننا لم نشأ ذلك لأننا كنا جاهزين للمغادرة، فأرسل بطلبنا في وقت متأخر من الليلة نفسها. و كان قد طلب مني حين وصلنا إلى مخيّة أن أعيره جهاز رصد النجوم الإنكليزي الرباعي القاعدة خلال فترة إقامتنا في المدينة. و لم أرغب بطلبه منه، لأن أيّ مسلم كان ليظن أني قدمته له هدية، لكن الأمير فرحان وضعه أمامه بعد أن لفّه بقطعة قماش حريرية و جعل عليه كمية كبيرة من الدراهم الألمانية و هي أكبر عملة تستخدم عادة في اليمن، و بعد أن سألنا، إن كنّا لا نزال نصرّ على السفر في اليوم التالي، و قال مازحا للعرب الحاضرين إن الإقامة في مخيّة لا تعجبنا- دون شك- لأننا نغادر المدينة بسرعة، الخ، أراد إعادة الجهاز لي، لكني رجوته أن يحتفظ به، فأكّد لي بعد اعتذارات جمّة أنّ هذه الهدية تسعده للغاية. ثم منح طبيبنا قطعة القماش و فيها ٢٠ درهما فاعتبر الأخير أن بإمكانه قبولها لأنه أعطى الأمير أدوية عدة.
و قدم لنا مبلغا من المال لدفع بدل استئجار الحمير و الجمال التي ستنقلنا إلى بيت الفقيه، فرفضناه معللين السبب أننا لم نأت شبه الجزيرة العربية لنعيش على حساب أهلها. و بما أننا كنا ننوي التجوال في كافة البلاد الخاضعة للإمام، فخشينا ألا يساعدنا حكام الأقاليم الأخرى، الذين قد يفتقرون لكرم الأمير فرحان، إن شكوا بأننا ننتظر منهم أن يقدموا لنا الهدايا. و فاجأ رفضنا العرب كثيرا، إذ لم يكتف بعض