رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ٢٢٢ - الرحلة من السويس إلى جدة
دراسات هندسية كانت لتعرضني للخطر. و كان السيد فورسكال الوحيد الذي ابتعد أكثر من بئر طور، و لم يجد في بلاد النصارى سوى كاهن واحد، أكرمه في منزله و أرسل معه مرافقين حتى اليم المزعومة حيث رأى العديد من الحدائق المزروعة بالنخيل و التي يملك جزءا منها الروم و الجزء الأخير المسلمون. و قد أثار غيابه الطويل تساؤل العرب، و أعلموا بعض الانكشاريين من القاهرة، فقرروا البحث عن الإفرنجي الذي نزل إلى البرّ لرسم جبالهم، و سارعوا إلى بلاد النصارى، و صادفوا السيد فورسكال و هو عائد من الحدائق فأعادوه إلى السفينة على الفور و بكل أمان. هل نجد الكثير من المسيحيين الذين يتكبدون مشقة قطع نصف فرسخ لإنقاذ يهودي لا يعرفونه من خطر محدق؟ لم أكن أتوقع هذه الشهامة و هذا الكرم من المسلمين بشكل عام و من الانكشاريين بشكل خاص. لكن هؤلاء كانوا من التجار الذين اعتادوا التعامل مع الأمم الأجنبية، فظنوا أن من واجبهم حمايتنا، كأجانب نبحث عن أمننا بينهم.
و في الرابع عشر من تشرين الأول/ أكتوبر، خرجنا من مرفأ طور بعد أن هبّت رياح رملية، و توجهنا نحو الجنوب أولا، ثم نحو الجنوب الشرقي و ذلك بين أرصفة المرجان. و بعد الظهر رسونا قرب رأس محمد أو رأس محمود كما يقول البعض، على عمق ١٠ باعات. و بعد قياس ارتفاع نجمتين، تبين لي أننا على خط عرض ٢٧؟، ٥٤؟، تقريبا، علما أن الأفق لم يكن صافيا كليا، لكن هذه الملاحظة دقيقة بما يكفي لتصحيح الخرائط البحرية. لا حظت أن البحر أعرض هنا منه قرب طور، و يمتد الشاطىء أبعد نحو الجنوب ثم نحو الشرق حيث نجد الخليج الثاني للبحر الأحمر و الذي يمتد حتى العقبة. و حتى الآن، لم نبحر سوى قرب اليابسة، و رسونا كل ليلة، لكن بين رأس محمد و شاطىء شبه الجزيرة العربية، اضطررنا للإبحار في عرض البحر لأيام و ليال عدة. و سيعتبر كل أوروبي هذه الطريق آمن من الطريق بين السويس و جدة في غياب الأرصفة المرجانية و الصخور، لكن المسلمين، الذين لم يعد باستطاعتهم رؤية اليابسة، اعتبروها خطرة، و كانوا يفضلون على الأرجح لو مررنا من رأس محمد إلى جزيرة تيران(Tyr n) و منها إلى شواطىء شبه الجزيرة العربية، لكن الرياح كانت مؤاتية لنا للسفر في طريق مستقيم. و بقيت الرياح شمالية إلى شمالية غربية فتمكنا من التوجه نحو المرفأ الذي نصبو إليه.
في ١٥ تشرين الأول/ أكتوبر و عند الظهر، كنا على خط عرض ٢٧؟، ٢٩؟، و كنا قد مررنا صباحا أمام جزيرة سفن البحر(Saf ni el Bahhr) ، و كانت جزيرة شدوان(Schedu n) مباشرة إلى الغرب على بعد ٤ أميال، و بالتالي على خط العرض نفسه. و كانت جزيرة تيران الواقعة أمام بحر العقبة إلى الشمال الشرقي على بعد حوالي ٥ أميال (استنتجت ذلك من تغييرات البوصلة) و على خط عرض ٢٧؟، ٤٣؟.
و عند غياب الشمس، كانت الشواطىء المصرية لا تزال بادية أما شبه الجزيرة العربية فغابت عن أنظارنا.
ثم في ١٦ من الشهر نفسه، و عند الظهر، كنا على خط عرض ٢٦؟، ٩؟، أما عند المغيب فأصبحنا على خط عرض ٢٥؟، ٥٤؟، و شاهدنا على الشاطىء المصري جبال الزمرد التي تحدث عنها الكتّاب