رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ١١٢ - سكان مدينة القاهرة و شكل الحكم و التجارة فيها
المدينة قنصل إنكليزي ثري و كان يرتدي زي سيد تركي و يمتطي الخيل. و كانت ثروته الكبيرة تسمح له بتقديم الهدايا و الولائم لكبار شخصيات القاهرة الذين كانوا يعاملونه بالمثل. عند ما كان يظهر في الشوارع، كان يوزع الأموال على الناس فكان الشعب يحبّه. أما اليوم فما عاد القناصل يمتطون الخيل إلا يوم يذهبون للجلوس في حضرة الباشا، فيرتدون الزي الأوروبي و يزينون أنفسهم بأبهى زينة. و لا أتفاجأ قط عند ما أجدهم يسمعون آلاف الشتائم تنهمر عليهم من قبل عامة الشعب إذ إن الشرقيين يعتبرون لباسنا القصير غير محتشم خاصة أن أهل القاهرة لا يزينون ثيابهم لا ذهبا و لا فضة. و في الأيام العادية، يرتدي القناصل لباس الأتراك الطويل و عليهم- شأنهم شأن التجار الأوروبيين و النصارى الشرقيين و اليهود- أن يترجلوا عن حميرهم عند مرورهم في المناطق الآنفة الذكر، أو عند مرورهم بسيد مسلم.
و مع أن كثافة السكان في مصر قد انخفضت، إلا أن منتجات البلد لم تنقص، و لأنها العاصمة و لأنها تقع في موقع استراتيجي بالنسبة للتجارة، فيها عدد كبير من التجار الأغنياء الذين يتعاطون التجارة مع أوروبا و آسيا و أفريقيا. تتلقى مصر عبر الخليج العربي كافة منتجات الهند و بلاد فارس و شبه الجزيرة العربية. و يسهل النيل التجارة مع السودان و من جهة البحر المتوسط مع سوريا و تركيا و بلاد البربر و أوروبا.
أما القوافل الكبيرة التي تأتي سنويا من الأقطار و التي تصل برا فهي تقايض بضائع بلادها الفاخرة بما ينقصها من بضائع أخرى. و مع أن أضخم عمليات التجارة في بلادنا تجري عن طريق المراسلة و أنه في المدن الكبيرة يجتمع التجار بالسوق في ساعة معينة من النهار إلا أن التجار الشرقيين بغالبيتهم يسافرون بنفسهم أو يرسلون عبيدهم و خدمهم. و كل الذين يأتون من القطر نفسه و الذين يحملون البضائع نفسها، ينزلون في المكان نفسه كلّ على حدة كمسيحيي القاهرة الذين يقيمون في الحي نفسه أو بجوار بعضهم البعض. و هكذا يعلم الناس مقرّ التجار الأجانب. و يكثر عدد السماسرة و بواسطتهم يكثّف الباعة معارفهم كما و يسهل على الزبائن إيجاد البضائع. و لا شك أن المسافرين يفضلون المكوث إلى جانب بعضهم لأنهم بذلك يؤدون بعض الخدمات لبعضهم.
لست مؤهلا للحديث على كافة تفاصيل التجارة عند المصريين، لكني تعرفت عن كتب على الاستيراد و التصدير بفضل المعلومات التي أعطاني إياها تاجر فرنسي و سوف أنقلها إليكم لنعرف ما هي المنتجات التي تعزز في هذه البلاد و تلك التي تستورد من الخارج.
يشكل الجلد الخام إنتاجا مهما تصدره البلاد. في كل سنة، تصدر ٧٠ إلى ٨٠ ألف قطعة من الجلد منها عشرة آلاف قطعة من جلد الجاموس تذهب إلى مرسيليا. و تصدّر كميات أكبر من الجلود إلى إيطاليا منها جلود الجاموس و الثور و البقر و الجمل. تصدّر جلود الجاموس إلى سوريا خاصة و تتميز هذه الجلود بأنها ليست كبيرة بل أكثر سماكة و وزنا من غيرها. و لعل أفضل جلود هي التي تأتي من مصر السفلى حيث المراعي الشاسعة، و يستحسن قتل الحيوانات في أشهر كانون الثاني/ يناير و شباط/ فبراير و آذار/ مارس