رحلة إلى شبه الجزيرة العربية وإلى بلاد أخرى مجاورة لها - كارستن نيبور - الصفحة ١٠١ - في بولاق و مصر العتيقة و الجيزة
القاهرة (*). و تعد بولاق اليوم مدينة مهمة، و مرفأ أساسيا من مرافىء القاهرة؛ إذ تمر فيها كل البضائع التي ترسل عبر النيل، من دمياط و رشيد إلى العاصمة، أو إلى المتوسط؛ مما يعني أننا نجد فيها أهم مركز للجمارك. و تكثر في بولاق مستودعات الأرزّ، و الملح، و البارود الأبيض و الخشب، و الزعفران، الذي ينمو في مصر العليا، و لكن الزعفران الذي تنتجه مصر الوسطى يصدّر إلى القاهرة. و نجد أيضا في بولاق مستودعا خاصا بالسلطان، يجمع فيه القمح الذي يرسل سنويا من مصر إلى مكة و المدينة و آخر قديما، يوضع فيه عتاد السفن العائدة إلى الحقبة التي كانوا يملكون فيها أسطولا في السويس.
تعد الفسطاط أو مصر العتيقة- كما اعتاد الأوروبيون على تسميتها، مدينة بحد ذاتها- و لكنها صغيرة جدا مقارنة بمدينة الفسطاط القديمة، التي كانت عاصمة مصر. و نجد فيها مركزا للجمارك تدفع فيه رسوم عبور البضائع المرسلة من مصر العليا، فضلا عن مكان فسيح محاط بسور حصين تجمع فيه الحكومة القمح في الهواء الطلق؛ و لقد شيّد هذا البناء في عهد الخلفاء المسلمين. أما المؤلفون الذين يؤكدون أن يوسف بنى مستودع القمح هذا، فقد خدعهم بنيامين دوتولا، الذي يقول في سير رحلته (ص ١٠٤) إنه وجد في مصر العتيق بقايا مستودعات قمح، بناها يوسف. و لكنه يتحدث عن ممفيس الواقعة على بعد فرسخين من مصر العتيق. و يقع الجامع الذي بناه القائد العربي، عمرو بن العاص، بين مصر العتيق و جبل المقطم. يزوره عليه القوم في القاهرة مرة في السنة احتفاء بذكرى بناء المسجد الأول في المكان نفسه؛ و نرى في الجوار بناء محاطا بسور قديم. (راجعوا الصورة على اللوحة ١٢) و لعل حصن مدينة مصر، المذكورة في حديث العرب عن غزو مصر، كانت مبنية في هذا المكان؛ و الجدير ذكره أن هذا الحصن المتداعي مأهول اليوم بالمسيحيين. و نجد في هذا المكان أيضا عدة كنائس و مقابر إغريقية و قبطية و ديرا للنساء الأقباط، و مغارة مقدسة، إذ يقال إن العائلة المقدسة أقامت فيها لبعض الوقت. يحتفظ الإنكليز و الفرنسيون بمقبرة هنا، و كنيسة صغيرة، يقيم بقربها راهب فرانسيسكاني. تشتهر كنيسة القديس غريغوريوس الإغريقية بعجائبها الكثيرة، يقال إن المجانين من المسلمين و المسيحيين على حد سواء، يستعيدون رشدهم إن أوثقوا بغلا مربوطا بأحد أعمدة الكنيسة، و تليت الصلوات لراحة أنفسهم. و على مقربة من الكنيسة، شاهدت بئرا عميقا، يمتلىء سنويا بالمياه عند ارتفاع منسوب مياه النهر. و قيل لي، إن ضفة النيل، كانت قديما في هذه البقعة؛ و هذا الأمر ليس بعار تماما من الصحة، إن أخذنا بعين الاعتبار تغير مجاري الأنهر مع مرور الزمن، خاصة في النقاط التي تمر فيها أمام المدن. و بالتالي فالقناة الممتدة بين الفسطاط و جزيرة الروضة تبقى جافة عند انخفاض منسوب المياه. و لقد أشار الأمير رادزفيل، أنه منذ حوالي ٢٠٠ سنة كان الناس يعبرون من مصر العتيق إلى جزيرة الروضة مشيا على الأقدام، نظرا لانخفاض منسوب المياه. و لعل ضفة النيل الشرقية لم تشهد تغيرات ملحوظة منذ عدة قرون.
رسمت على الخارطة القناة التي تنقل بواسطتها مياه النيل إلى قصر القاهرة، و التي شيّدت حسب
(*) تسمى الأبنية العامة في بلاد بربر كيساري(Casserie) ؛ تاريخ بلاد البربر، بيار دان، ص ١٦٨.