نجعة المرتاد - الشيخ محمد رضا النجفي الأصفهاني - الصفحة ٥٠٩
العرب ينزلون للتغوير في شدّة الحرّ و يقيلون، فإذا زالت الشمس ثاروا إلى ركابهم، و نادى مناديهم: ألا قد أبردتم فاركبوا.
فقول الماتن: «إنّه يشهد بخلافه العرف و اللّغة و قرائن الأحوال و الأقوال» [١] ليس بمتّجه، نعم القرائن دالّة على خلافه كما ذكره.
و في روايات العامّة ما هو صريح في خلاف ذلك، ففيما رواه مسلم و البخاري بإسنادهما عن أبي ذر: «أبرد أبرد» أو قال: «انتظر انتظر»، و فيه: «حتّى رأينا فيء التلول» [٢]، و غير ذلك.
و الظاهر من الماتن و غيره أنّه مأخوذ من البرد أي ضدّ الحرّ، و فيه أنّه لا يقال:
«أبردته» إلّا في لغة رديّة- كما صرّح به الجوهري- [٣] على أنّ تبريد الصلاة و لو تكلّف في تفسيره عبارة باردة جدّا، على أنّ في غير واحد من طرقها «أبردوا بالصلاة» فلا يناسب ما قالوه إلّا بتكلّف دعوى زيادة الباء.
و الظاهر عندي أنّه من قولهم: «أبرد الرجل» إذا دخل آخر النهار، و البردان كالأبردين هما الغداة و العشيّ، و منه ما رواه الصدوق: «من صلّى البردين دخل الجنة» [٤] أي الصبح و العصر، فيكون كقولهم: أصبح و أظهر.
فمعنى الروايات الأمر بتأخيرها إلى وقت العصر، و تحديد الماتن ذلك بالمثل [٥] مستفاد من بعض الروايات المشتملة على أمر زرارة بذلك، و هي غير صريحة في كون ذلك تفسيرا للإبراد، بل بعض القرائن تدلّ على تخصيص زرارة بذلك لبعض المصالح، و لهذا ما كان أجد من أصحابنا يفعل ذلك غيره و غير ابن بكير، و لعلّ بعد ارتفاع تلك المصلحة أمره بأن يصلّي في مواقيت أصحابه، فليلاحظ ذلك كلّه إن شاء اللّه.
[١] جواهر الكلام ٧: ٣١٣.
[٢] صحيح البخاري ١: ٢٢٥ و صحيح المسلم ٣: ١١٩.
[٣] صحاح اللغة ١: ٤٤٥.
[٤] وسائل الشيعة ٤: ٢٣٨/ ١٣ و فيه: يعني بعد الغداة و بعد العصر.
[٥] جواهر الكلام ٧: ٣١٤.