شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٥٦
رب محب يطيش فيخرج عن الأدب لاعن الحب، وليس كل أحد معصوما عن الزلل. أما رأيت ولدا برا بوالديه قد يتفق عند الغضب أن يخشن الكلام ويهجر الوالد ثم يندم من قريب ويعتذر، وروي من ابن عباس أشد من ذلك بالنسبة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وكان تابعا وليا له من أول عمره إلى آخره بعد ذاك العتاب وقبله بل يدل هذا الحديث على أن زرارة مفرطا في الولاية مبالغا فيه زائدا متجاوزا عن الحد الذي كان يرضى به الإمام (عليه السلام) وكان يرى أن كل متخلف عن أهل البيت كافر وردعه عنه الإمام (عليه السلام) بأن المستضعفين من الضلال في الجنة (ش). (*)
[ ٥٥ ]
باب الكفر * الأصل: ١ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن داود بن كثير الرقي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): " سنن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كفرائض الله عز وجل ؟ فقال: إن الله فرض فرائض موجبات على العباد فمن ترك فريضة من الموجبات فلم يعمل بها وجحدها كان كافرا وأمر [ رسول ] الله بأمور كلها حسنة فليس من ترك بعض ما أمر الله عز وجل به عباده من الطاعة بكافر ولكنه تارك للفضل، منقوص من الخير ". * الشرح: قوله: (قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): سنن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كفرائض الله عز وجل ؟) أي في الشرف والاحترام أو في لزوم الوفاء أو في كفر التارك ؟ (فقال: إن الله عز وجل فرض فرائض موجبات على العباد فمن ترك فريضة من الموجبات فلم يعمل بها وجحدها كان كافرا) الفريضة تشمل الواجبات الاصولية والفروعية فلا يبعد أن يكون قوله: (فلم يعمل بها) ناظرا إلى الثانية وقوله: (وجحدها) ناظرا إلى الأولى حينئذ يكون الكفر أعم من كفر الجحود وكفر ترك ما أمر الله تعالى به وإن كان تركه مقرونا بالجحود كان كفره أيضا كفر جحود، وأما ترك الأولى من غير جحود ولا إقرار فهو مستضعف وقد مر وسيجئ أن المستضعف ليس بمؤمن ولا كافر وأنه في المشيئة. (وأمر الله بامور كلها حسنة فليس من ترك بعض ما أمر الله عز وجل به عبادة من الطاعة بكافر ولكنه تارك للفضل منقوص الخير) لعل المراد بتلك الامور الامور المندوبة، ففيه دلالة بحسب المنطوق أن ترك بعضها ليس بكفر وهو كذلك وبحسب المفهوم أن ترك جميعها كفر ولعل وجهه أنه موجب للاستخفاف بالدين والاستخفاف به كفر ولو خصت الفريضة بالاصولية أمكن أن يراد بتلك الامور الفروعية مطلقا وإن ترك بعضها وهو المندوبات ليس بكفر بشرط عدم الاستخفاف والإنكار، وفي بعض النسخ " وأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بامور ". * الأصل: ٢ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " والله إن الكفر لأقدم من الشرك وأخبث وأعظم، قال: ثم ذكر كفر إبليس حين قال الله له:
[ ٥٦ ]
اسجد لآدم فأبى أن يسجد، فالكفر أعظم من الشرك فمن اختار على الله عز وجل وأبى الطاعة وأقام على الكبائر فهو كافر ومن نصب دينا غير دين المؤمنين فهو مشرك ". * الشرح: قوله: (إن الكفر لأقدم من الشرك وأخبث وأعظم) أما أنه أقدم فلأنه إباء من الطاعة وإنكار اسجد لآدم فأبى أن يسجد، فالكفر أعظم من الشرك فمن اختار على الله عز وجل وأبى الطاعة وأقام على الكبائر فهو كافر ومن نصب دينا غير دين المؤمنين فهو مشرك ". * الشرح: قوله: (إن الكفر لأقدم من الشرك وأخبث وأعظم) أما أنه أقدم فلأنه إباء من الطاعة وإنكار الحق وهو مقدم الشرك مسبوق لتوقفه على الكفر واقل مراتبة الاباء من الأمر بترك الشرك وانكاره، وما ذكره (عليه السلام) من كفر إبليس على سبيل التمثيل بالفرد الواضح فإنه أبى أولا من طاعة الرب وأنكر أمره فكفر، ثم دعا إلى عبادة غير الله تعالى فأشرك. وأما أنه أخبث وأعظم من الشرك فلأنه سبب له وداع إليه وسبب الخبث وداعيه أخبث وأعظم منه، ومن هنا يظهر أن الشرك يستلزم الكفر دون العكس وإن من خالفنا في إمامة علي (عليه السلام) فهو كافر من جهة الإباء من طاعة الله وطاعة رسوله وإنكار أمرهما بخلافته (عليه السلام)، ومشرك من جهة نصب دين غير دين المؤمنين والظاهر أنه عز وجل لم يقل لإبليس بخصوصه اسجد لآدم والمراد بقوله (عليه السلام): " حين قال الله له: اسجد لآدم " أنه تعالى أمره أيضا بالسجود في قوله: * (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) * وشمول خطاب الملائكة له إما باعتبار التغليب أو لكونه داخلا فيهم ومعدودا من جملتهم. (فمن اختار على الله عز وجل وأبى الطاعة وأقام على الكبائر فهو كافر) لعل المراد بالاختيار اختيار مراده على مراد الله تعالى أو اختيار أمر إبليس على أمره تعالى وبالإباء من الطاعة إنكارها، ولا ريب في أن إنكار الطاعة سواء كانت من الاصول أم من الفروع كفر، ولو أريد بإبائها ترك العمل بها في الفرعية لا يبعد أن يراد بالكفر كفر النعمة أو كفر ترك المأمور به أو كفر الجحود مع الاستخفاف فيرجع إلى الأول. * الأصل: ٣ - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " ذكر عنده سالم بن أبي حفصة وأصحابه فقال: إنهم ينكرون أن يكون من حارب عليا (عليه السلام) مشركين ؟ فقال: أبو جعفر (عليه السلام): فإنهم يزعمون أنهم كفار، ثم قال لي: إن الكفر أقدم من الشرك، ثم ذكر كفر إبليس حين قال له: اسجد فأبى أن يسجد، وقال: الكفر أقدم من الشرك، فمن اجترى على الله فأبى الطاعة وأقام على الكبائر فهو كافر (يعني مستخف كافر) ". * الشرح: قوله: (عن عبد الله بن بكير، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ذكر عنده سالم بن أبي حفصة وأصحابه فقال: إنهم ينكرون أن يكون من حارب عليا (عليه السلام) مشركين ؟) سالم بن أبي حفصة روى