شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٦٨
العلوم مطلقا إنما تراد للأحوال والأحوال إنما تراد للأعمال [١] وأما أهل البصائر وأولوا الباب فالأمر عندهم بالعكس فإن الأعمال عندهم تراد للأحوال والأحوال تراد للعلوم فالأفضل العلوم ثم الأحوال ثم الأعمال، لأن كل مراد لغيره كان ذلك الغير لا محالة أفضل منه، ثم المراد بكتمان الجوارح وبقاع الأرض ذنوبه اما نسيانهما كما في الملكين أو عدم الشهادة بها والأول أظهر، ويؤيده ما روى من طرق العامة أنه تعالى ينسى أيضا جوارحه وبقاع الأرض ذنوبه بل ربما يقال: أنه تعالى يمحوها عن لوح نفسه أيضا ليكمل استعداده لافاضة الفيض والرحمة عليه ويرتفع عنه الإنفعال عند لقاء الرب. ٢ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب الخزاز، عن محمد بن مسلم، والآخرة، فقلت: وكيف يستر عليه ؟ قال: ينسي ملكيه وما كتبا عليه من الذنوب ويوحي إلى جوارحه: اكتمي عليه ذنوبه ويوحي إلى بقاع الأرض اكتمي ما كان يعمل عليك من الذنوب، فيلقى الله حين يلقاه وليس شئ يشهد عليه بشئ من الذنوب ". * الشرح: قوله: (إذا تاب العبد توبة نصوحا أحبه الله فستر عليه في الدنيا والآخرة - إلى آخره) التوبة الرجوع عن الذنب لقبحه إلى الطاعة فخرج الرجوع عن شرب الخمر مثلا لإضطراره بالبدن وقد يزاد مع العزم على عدم المعاودة إليه وتدارك ما يمكن أن يتدارك وقال الغزالي: التوبة تنتظم من امور ثلاثة علم وحال وعمل، أما العلم فهو اليقين بأن الذنوب سموم مهلكة وحجاب بين العبد ومحبوبه وهذا اليقين تثمر حالة ثانية هي التألم بفوات المطلوب والتأسف من فعل الذنوب ويعبر عن هذه الحالة بالندامه وهي تثمر حالة ثالثة هي ترك الذنوب في الحال وعزم على عدم العود إليها في الاستقبال وتدارك ما فات في الماضي من حقوق الله تعالى مثل الصلاة والصيام والزكاة ونحوها من حقوق الناس مثل رد المال إلى صاحبه أو وارثه وطلب الإبراء في الغيبة وتسليم النفس في القصاص إلى وليه ليقتص منه أو ليعفوا عنه، ولو لم يمكنه ذلك كان عليه أن يكثر في العبادة ليبقى له قدر الكفاية في القيامة بعد أخذ حقوقهم منها وهذه الامور الثلاثة مترتبة في الحصول ويطلق اسم التوبة تارة على مجموعها وتارة على الندم والعزم واخرى على الندم وحده ويجعل العلم كالمقدمة والترك، كالثمرة فيكون الندم محفوفا بالطرفين الطرف الأول مثمر الندم والطرف الآخر ثمرته كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " إن الندم على الشر يدعوا إلى تركه " وترتب هذه الامور غير مختصة بالتوبة بل انتظام الصبر والشكر والتوكل والرضا وغير ذلك من المقامات الدينية ينتظم من علم وحال وعمل وهذه الامور الثلاثة إذا قيس بعضها إلى بعض لاح للناظرين إلى الظواهر أن
[ ١٦٨ ]
العلوم مطلقا إنما تراد للأحوال والأحوال إنما تراد للأعمال
[١] وأما أهل البصائر وأولوا الباب فالأمر عندهم بالعكس فإن الأعمال عندهم تراد للأحوال والأحوال تراد للعلوم فالأفضل العلوم ثم الأحوال ثم الأعمال، لأن كل مراد لغيره كان ذلك الغير لا محالة أفضل منه، ثم المراد بكتمان الجوارح وبقاع الأرض ذنوبه اما نسيانهما كما في الملكين أو عدم الشهادة بها والأول أظهر، ويؤيده ما روى من طرق العامة أنه تعالى ينسى أيضا جوارحه وبقاع الأرض ذنوبه بل ربما يقال: أنه تعالى يمحوها عن لوح نفسه أيضا ليكمل استعداده لافاضة الفيض والرحمة عليه ويرتفع عنه الإنفعال عند لقاء الرب. ٢ - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن أبي أيوب الخزاز، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (فمن جاءه موعظة من ربه فإنتهى فله ما سلف) * قال: " الموعظة التوبة ". * الأصل: ٣ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن علي، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا) * قال: يتوب العبد من الذنب ثم لا يعود فيه، قال محمد بن الفضيل: سألت عنها أبا الحسن (عليه السلام) فقال: " يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه، وأحب العباد إلى الله تعالى المفتنون التوابون ". * الشرح: قوله: (قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا) * قال: يتوب العبد من الذنب ثم لا يعود فيه) دل هذا وما بعده على أن التوبة النصوح هي [١] قوله: " والأحوال إنما تراد للأعمال " أهم الامور عند هؤلاء امور الدنيا والآخرة مغفول عنها عندهم وكل شئ عندهم لنظم الدنيا وعمرانها، والدين أيضا من نظم الدنيا حتى لا يظلم أحد أحدا ولا يتعدى أحد على عن أحدهما (عليه السلام) في قول الله عز وجل: * (فمن جاءه موعظة من ربه فإنتهى فله ما سلف) * قال: " الموعظة التوبة ". * الأصل: ٣ - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن علي، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا) * قال: يتوب العبد من الذنب ثم لا يعود فيه، قال محمد بن الفضيل: سألت عنها أبا الحسن (عليه السلام) فقال: " يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه، وأحب العباد إلى الله تعالى المفتنون التوابون ". * الشرح: قوله: (قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا) * قال: يتوب العبد من الذنب ثم لا يعود فيه) دل هذا وما بعده على أن التوبة النصوح هي [١] قوله: " والأحوال إنما تراد للأعمال " أهم الامور عند هؤلاء امور الدنيا والآخرة مغفول عنها عندهم وكل شئ عندهم لنظم الدنيا وعمرانها، والدين أيضا من نظم الدنيا حتى لا يظلم أحد أحدا ولا يتعدى أحد على أحد ولا يكون الهرج والفساد وينبغي أن يزاد على عبارة الشارح بعد قوله " والأحوال إنما تراد للأعمال " والأعمال العبادية إنما تراد لحفظ حقوق الناس، لأن من يعتاد العبادات لا يتعدى على غيره والحق أن الدنيا للآخرة وإنما خلق الناس ليعبدوا الله لا ليعمروا الدنيا، والدين لعمارة الآخرة أصلا وبالذات وما يتعلق من أحكامه بالدنيا أيضا موضوعة لتأمين الناس في معاشهم حتى يتهيأ لهم زاد المعاد والمراد بالعلوم كل ما يدعوا إلى الآخرة لا علوم الدنيا المنسية للآخرة وإلا لكان بقراط وجالينوس وأمثالهم أفضل عند الله من سلمان وأبي ذر، لأن الطب أفضل علوم أهل الدنيا. (ش) (*)