شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٥١
وبصفة دنية عند غيبته توهموا أن يكون ذلك نفاقا. (فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) كلا أن هذه خطوات الشيطان فيرغبكم في الدنيا) ردعا لهم عن ذلك التوهم، لأن باطنهم موقن متذكر في وقت وغافل في وقت آخر لخطوات الشيطان وترغيبه في الدنيا كما هو شأن الخبيث اللعين حيث أنة إذا لم يكن له تصرف في إيمان المؤمن يتوصل بما يوجب نقص إيمانه وينزله عن كماله والمنافق باطنه غير مؤمن وقلبه غير مؤقن بل متصف بصفة الغفلة دائما وبينهما بون بعيد، وينبغي أن يعلم أن قلب المؤمن في الحقيقة عرش الرحمن يطوف به قوافل واردات الحق والهاماته ويشرق فيه لوامع أنواره وطوالع أسراره ولذلك يجب تطهيره عن إلى أقصى معارج فهمه فيشرق الأنوار الغيبية على ظاهره وباطنه هدانا الله بفيض جودهم إلى أعلى معارج اليقين وبنور وجودهم إلى أرفع منازل الآمنين. (ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) أما أن أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله) قالوا: يا رسول الله نخاف علينا النفاق - إلى قولهم - افتخاف علينا أن يكون ذلك نفاقا) لما كان باطنهم متصفا بصفة شريفة عند حضرته (صلى الله عليه وآله) = يقينا ملتزما بالعمل بيقينه كمريض يعلم ضرر طعام ويأكله متابعة لشهوته وفي ذلك الحديث أيضا من لم يكن فعله لقوله موافقا فإنما ذلك مستودع أي أبصر ولم ينتفع بما أبصره. الثاني: قد مر في بعض الروايات أن الرجل المؤمن لا ينقل إلى الكفر فما معنى الإرتداد والأحكام الواردة للمرتد في الفقه وما معنى قوله تعالى * (إن الذين كفروا - إلى قوله - ثم ازدادوا كفرا) * فإن الظاهر منها متناقض والجواب أن أحكام الفقه واردة للدنيا وهذه الروايات ناظرة إلى الآخرة ولا تناقض بينهما فمظهر الإسلام محكوم بالإسلام في الدنيا فإذا ظهر منه الإنكار حكم بارتداده في الدنيا وأما بالنسبة إلى الآخرة فالمرتد لم يكن مؤمنا حقيقة والدليل عليه مع هذه الروايات أمور: الأول: أن الشك بعد اليقين خلاف العادة، لأن الإنسان قد يتفق له أن يشك في شئ ثم يتنبه لدلائل ثبوته ويتيقن به ولكن لا يتفق عادة ان يتضح لديه شئ يتقين به ويدرك الواقع على ما هو عليه بالبداهة أو بدليل صحيح ثم يشك فيه كمن رأى نارا وأدرك حرارتها بيده أو ثبت عنده أن حاصل ضرب أربعة في خمسة عشرون لم يتردد فيه إلا أن يكون المطلب مبهما وكان اقراره به أولا تخمينا ثبت بعده خطاؤه. الثاني: ما استدل به كثير من المتكلمين أن المؤمن يستحق الثواب والكافر العقاب فإذا مات المرتد على الكفر استحق الثواب على الإيمان والعقاب على الكفر ولا يمكن الجمع بينهما ولا احباط في مذهبنا ولا تكفير وحينئذ فإما ان يقدم العقاب على الكفر فيخرج منه إلى الثواب خالدا وهو غير صحيح مع موته على الكفر وإما يقدم الثواب فيخرج منه إلى العقاب الدائم على الكفر وهذا أيضا ينافي الثواب لأن انتظار العقاب حين الثواب منغص للالتذاذ به وغير مناسب للكريم تعال ولا استدراج في القيامة. المطلب الثالث ان قيل لا منافاة بين أن يكون الإنسان مؤمنا موقنا بالله تعالى ورسالة نبيه (صلى الله عليه وآله) وان لا يعرض له شك فيها بعد الإيمان لكن يصير مرتدا بإنكار امور اخر من ضروريات الدين كالمعاد وحدوث العالم قلنا هذا غير معقول، لأن اليقين بالرسالة يقين بجميع ما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله) فإن تردد الموقن بالرسالة في شئ فإنما تردد في صحه نسبة ذلك الشئ إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) وهو لا يستلزم الإرتداد، لأن المرتد من ينكر شيئا مع علمه بصدوره من النبي (صلى الله عليه وآله) (ش). (*)
[ ١٥١ ]
وبصفة دنية عند غيبته توهموا أن يكون ذلك نفاقا. (فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) كلا أن هذه خطوات الشيطان فيرغبكم في الدنيا) ردعا لهم عن ذلك التوهم، لأن باطنهم موقن متذكر في وقت وغافل في وقت آخر لخطوات الشيطان وترغيبه في الدنيا كما هو شأن الخبيث اللعين حيث أنة إذا لم يكن له تصرف في إيمان المؤمن يتوصل بما يوجب نقص إيمانه وينزله عن كماله والمنافق باطنه غير مؤمن وقلبه غير مؤقن بل متصف بصفة الغفلة دائما وبينهما بون بعيد، وينبغي أن يعلم أن قلب المؤمن في الحقيقة عرش الرحمن يطوف به قوافل واردات الحق والهاماته ويشرق فيه لوامع أنواره وطوالع أسراره ولذلك يجب تطهيره عن أدناس التعلقات وأرجاس الشهوات. وقد قيل: له بابان باب شرقي ايمن مفتوح إلى مشرق نور الحق وحظيرة القدس يطلع من ذلك الباب شوارق الألطاف الربوبية والمواعظ اللاهوتية وباب غربي أيسر إلى مغرب الجسد والأعضاء ومنه يظهر آثار تلك الشوارق والمواعظ إلى الأعضاء فتخضع بالأعمال الصالحة تواضعا ويسهل القلب عند ذلك ويتم النعمة ظاهرة وباطنة وكثيرا ما يتصرف فيه الشيطان ويلقى إليه من باب أدناس التعلقات وأرجاس الشهوات. وقد قيل: له بابان باب شرقي ايمن مفتوح إلى مشرق نور الحق وحظيرة القدس يطلع من ذلك الباب شوارق الألطاف الربوبية والمواعظ اللاهوتية وباب غربي أيسر إلى مغرب الجسد والأعضاء ومنه يظهر آثار تلك الشوارق والمواعظ إلى الأعضاء فتخضع بالأعمال الصالحة تواضعا ويسهل القلب عند ذلك ويتم النعمة ظاهرة وباطنة وكثيرا ما يتصرف فيه الشيطان ويلقى إليه من باب الغربي كذبا وزورا ويوحى إلى زخرف القول غرورا، فيميله إلى الدنيا ويحدث فيه صداء ورينا فإن استيقظ من نداء الغيب ودعوة أهل الحق ونصحه واستغفر زال عنه وإن استمر يسرى ذلك من الباب الشرقي إلى عالم القدس ويمنع الواردات اللآهوتية والأنوار الربوبية فيسود لوح القلب ويصدر من الجوارح أعمال قبيحة ومظلمة تنعكس ظلمتها إليه فينطمس نوره بريح الشهوات وتراكم الظلمات ظلمات بعضها فوق بعض فلا يقبل الحق أبدا. ثم أشار (صلى الله عليه وآله) إلى أن الحالة الاولى حالة حسنة شريفة والدوام عليها يوجب التشبه بالملائكة والوصول إلى مقامات عالية وإلى أن الحالة الثانية والتعرض للذنب والاستغفار بعده أيضا لا تخلوا من حكة الهية ومصلحة ربانية بقوله: (والله لو تدومون على الحالة التي وصفتم أنفسكم لصافحتكم الملائكة ومشيتم على الماء) هذا الخطاب حق وصدق، لأن المانع من ذلك إنما هو الكدورات الجسمية والتعلقات البشرية والاوزار النفسانية والوساوس الشيطانية والميل إلى الزهرات الدنيوية واللذات الفانية، فإذا زالت عن العبد تلك الموانع دائما يصير نورا صرفا وروحا محضا ويتصف بصفات الملائكة ويلتحق بالروحانيين ويصافحهم ويكون معهم ويمشى على الماء مثلهم، وإن شئت توضيح ذلك فنقول: إن للروح الإنساني منازل في السير إلى الله أولها المحسوسات وثانيها المتخيلات وثالثها الموهومات ورابعها المعقولات وهو في هذا المنزل يمتاز عن سائر الحيوانات ويرى فيه ما هو خارج عن عالم الحس والخيال والوهم ويعلم روح الأشياء