تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٧٦
و معني قوله: «لا يَعقِلُونَ شَيئاً وَ لا يَهتَدُونَ» يحتمل شيئين:
أحدهما- لا يعقلون شيئاً من الدين و لا يهتدون إليه.
و الثاني- علي الشتم و الذم، کما يقال: هو أعمي إذا کان لا يبصر طريق الحق- علي الذم- هذا قول البلخي. و الأول قول الجبائي.
و في الآية دلالة علي بطلان قول أصحاب المعارف، لأنها دلت علي أنهم كانوا علي ضلال في الاعتقاد.
و الضمير في قوله: «هم» قيل فيه ثلاثة أقوال:
أحدها- انه يعود علي (من) في قوله: «وَ مِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَنداداً».
و الثاني- انه يعود علي (النّاس) من «يا أَيُّهَا النّاسُ كُلُوا مِمّا فِي الأَرضِ حَلالًا طَيِّباً» فعدل عن المخاطبة الي الغيبة، کما قال تعالي: «حَتّي إِذا كُنتُم فِي الفُلكِ وَ جَرَينَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ».[١]
الثالث- انه يعود علي الكفار، إذ جري ذكرهم، و يصلح أن يعود اليهم و إن لم يجر ذكرهم، لأن الضمير يعود علي المعلوم، کما يعود علي المذكور، و
قال إبن عباس: إن النبي (ص) دعا اليهود من أهل الكتاب الي الإسلام، فقالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا أعلم و خيراً منّا، فأنزل اللّه عز و جل «وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنزَلَ اللّهُ» الآية.
و «أَلفَينا» في الآية معناه وجدنا- في قول قتادة- قال الشاعر:[٢]
فألفيته غير مستعتب و لا ذاكر اللّه إلا قليلا[٣]
[١] سورة يونس آية: ٢٢.
[٢] هو أبو الأسود الدؤلي.
[٣] ديوانه: ٤٩، و الأغاني ١١ ١٠٧، و شرح شواهد المغني: ٣١٦، و اللسان (عتب) و هو من أبيات قالها في امرأة کان يجلس اليها بالبصرة، فقالت له: هل لك أن تتزوجني، فاني امرأة صناع الكف، حسنة التدبير قانعة بالميسور، فتزوجها ثم وجدها علي خلاف ما قالت، فخانته و أسرعت في ماله، و أفشت سره، فردها الي أهلها، و أنشد الأبيات، فقالوا: بلي و اللّه يا أبا الأسود، فقال: هذه صاحبتكم، و اني أحب أن أستر ما أنكرت من أمرها، ثم سلمها اليهم.