تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٥٠
مجاهد: لأن قريشاً فخرت بردها رسول اللّه (ص)- يوم الحديبة- محرماً- في ذي القعدة- عن البلد الحرام، فأدخله اللّه عز و جل مكة في العام المقبل في ذي القعدة، فقضي عمرته، و أقصه بما حيل بينه و بينه يوم الحديبة، و هو معني قول قتادة، و الضحاك، و الربيع، و إبن زيد.
و روي عن إبن عباس، و أبي جعفر محمّد بن علي (ع) مثله.
و القول الثاني- «وَ الحُرُماتُ قِصاصٌ» بالقتال في الشهر الحرام أي لا يجوز للمسلمين إلا قصاصاً. و قال الحسن: إن مشركي العرب قالوا لرسول اللّه (ص):
أنهيت عن قتالنا في الشهر الحرام، قال نعم، فأراد المشركون أن يغزوه في الشهر الحرام، فيقاتلوه، فأنزل اللّه تعالي: «الشَّهرُ الحَرامُ بِالشَّهرِ الحَرامِ وَ الحُرُماتُ قِصاصٌ» أي إن استحلوا منكم في الشهر الحرام شيئاً، فاستحلوا منهم مثل ما استحلوا منكم.
و به قال الزجاج، و الجبائي.
و إنما جمع الحرمات لأحد أمرين: أحدهما- إنه يريد حرمة الشهر، و حرمة البلد، و حرمة الإحرام.
الثاني- کل حرمة تستحل، فلا يجوز إلا علي وجه المجازاة. و في النّاس من قال: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالي: «قاتِلُوا المُشرِكِينَ كَافَّةً»[١] و قال آخرون ليست منسوخة، لأنه يجوز اجتماعه مع تلك الفريضة- و هو الأولي- لأنه لا دلالة علي نسخها.
و الحرام: هو القبيح الممنوع من فعله. و الحلال: المطلق المأذون فيه.
و القصاص الأخذ للمظلوم من الظالم، من أجل ظلمه إياه. فان قيل: كيف جاز قوله: «إِنَّ اللّهَ لا يُحِبُّ المُعتَدِينَ» مع قوله «فَاعتَدُوا عَلَيهِ»[٢] قلنا الثاني ليس باعتداء علي الحقيقة، و إنما هو علي وجه المزاوجه، و معناه المجازات علي ما بينا.
و المعتدي مطلقاً لا يکون إلا ظالماً لضرر قبيح، و إذا کان مجازاً فإنما يفعل ضرراً
[١] سورة التوبة آية: ٣٧.
[٢] سورة البقرة آية: ١٩٤.