تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣١٠
بعض أبنيته علي بعض، و سمي الكرسي بذلك، لتركيب بعضه علي بعض. و يقال:
كرسي الملك من مكان كذا الي مكان كذا أي ملكه تشبيهاً بالكرسي المعروف.
و كرس يكرس كرساً، و أكرس إكراساً، و تكارس تكارساً، و تكرّس تكرساً، و كرّسه تكريساً، و أصل الباب الكرس: تراكب الشيء بعضه علي بعض.
و الوجه في خلق الكرسي إذا قلنا: أنه جسم هو أن اللّه تعبد تحمله الملائكة و التعبد عنده کما تعبد البشر بزيادة، و لم يخلقه ليجلس عليه، کما تقول المجسمة.
و اختاره الطبري، لأنه عزّ و جل يتعالي عن ذلک، لأن ذلک من صفات الأجسام و لو احتاج الي الجلوس عليه، لكان جسما و محدثاً و قد ثبت قدمه.
و قوله: «وَ لا يَؤُدُهُ حِفظُهُما» أي لا يثقله، و الهاء في يؤوده راجعة الي اللّه و قيل إنها عائدة الي الكرسي. و الأود مصدر، آده يؤوده أوداً و أياداً إذا أثقله و جهده، و أودت العود فأنا آوده أوداً، فانآد و معناه عجته فانعاج، لأنه اعتمد عليه بالثقل حتي مال، و الأود، و الأوداء علي وزن اعوج و عوجاء و المعني واحد و الجمع الأود بوزن العوج و أصل الباب الثقل.
و قوله: «وَ هُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ» فالعلي يعني بالاقتدار و نفوذ السلطان. و يقال علا بالاقتدار، و لا يقال رفيع، لأن الرفعة من المكان، و العلوّ منقول الي معني الاقتدار يوضح ذلک قولهم: علا قرنه بمعني اقتدر و لا يقال ارتفع عليه بمعني اقتدر و كذلك استعلي عليه بالحجة، و لا يقال ارتفع عليه بالحجة. و تقول: علا يعلو علوّاً و أعلي إعلاء و علّي تعلية و استعلي استعلاء. و تعلي تعلياً. و تعالي تعالياً و اعتلاه اعتلاء، و عالي معالاة. و العلوّ- بضم العين و كسرها- نقيض السفل، و العلوّ التجبر، و منه قوله تعالي: «إِنَّ فِرعَونَ عَلا فِي الأَرضِ»[١] أي تجبر، لأنه طلب الاستعلاء علي النّاس بالسلطان و القهر. و اللّه العالي و المتعالي أي القادر القاهر، لأنه عال بالاقتدار، لأنه لا يعجزه شيء و العالية: القناة المستقيمة، لاستمرارها في جهة العلوّ. و فلان من علية النّاس أي من أشرافهم، لأنه علا بشرفه. و العلية: الغرفة
[١] سورة القصص آية: ٤.