تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٨٩
الجزم. و أجاز الزجاج الرفع علي ضعف فيه علي تقرير: فانا نقاتل في سبيل اللّه. و لو کان بالتاء لجاز الرفع علي أن يکون صفة للملك. و الجزم علي الجواب، کما قال «فَهَب لِي مِن لَدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي»[١] بالجزم، و الرفع. و لو کان (نقاتل معه) لحسن الرفع أيضاً لعائد الذكر، و لا يجوز أن تقول: ألذي مررت زيد، تريد: به. و دخلت (أن) في قوله: «ما لَنا أَلّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ»، و أسقطت في قوله: «وَ ما لَكُم لا تُؤمِنُونَ بِاللّهِ»[٢] لأحد ثلاثة أشياء:
أولها- دخلت (أن) لتدل أن فيه معني: ما منعنا من أن نقاتل، کما دخلت الباء في خبر هل لما تضمنت معني ما قال الفرزدق يهجو جريراً، و يذكر أن أباه کان ينكح اتاناً[٣].
يقول إذا اقلولي عليها و أقردت ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم[٤]
معني اقلولي: علاها، و معني أقردت: ذلت.
و أما سقوطها في الموضع الآخر، فعلي الأصل كأنه قيل: ما لنا غير مقاتلين، کما قال: «فَما لَهُم عَنِ التَّذكِرَةِ مُعرِضِينَ»[٥] هذا قول الفراء.
الثاني- أن تكون (أن) زائدة في قول الأخفش، و هو ضعيف، لأنه لا يجوز الحمل علي الزيادة لا لضرورة.
الثالث- علي حذف الواو كأنه قال: و ما لنا و لأن نقاتل، کما قالوا: إياك أن تتكلم بمعني إياك و أن تتكلم. قال الرماني: و هذا ليس بالوجه، لأنه لا يحكم أحد بالحذف، و لا بالزيادة إلا عند الضرورة قال الشاعر:
فبح بالسرائر في أهلها و إياك في غيرهم أن تبوحا[٦]
فالآية مستغنية عن الواو مثل البيت سواء قال الشاعر:
فإياك المحاين أن تحينا
[١] سورة مريم آية: ٤.
[٢] سورة الحديد آية: ٨.
[٣] في المطبوعة (اناثاً) بدل (أتانا).
[٤] ديوان جرير ٢: ١٢٨.، و اللسان (قرد) و رواية الديوان (ليس ذو) بدل (هل أخو) و رواية اللسان (تقول) بدل (يقول).
[٥] سورة المدثر آية: ٤٩.
[٦] معاني القرآن للفراء ١: ١٦٥.