تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٠٥
في القتل. و إنما کان فيه حياة من وجهين:
أحدهما- ما عليه أكثر المفسرين كمجاهد، و قتادة، و الربيع، و إبن زيد:
أنه إذا هم الإنسان بالقتل فذكر القصاص، ارتدع، فكان ذلک سبباً للحياة.
الثاني- قال السدي: من جهة أنه لا يقتل إلا القاتل دون غيره. خلاف فعل الجاهلية الّذين كانوا يتفانون[١] بالطوائل، و المعنيان جميعاً حسنان. و قال أبو الجوزاء: معناه أن القران[٢] حياة بالقصاص، أراد به القران. و هذا ضعيف، لأنه تأويل خلاف الإجماع، و لأنه لا يليق بما تقدم، و لا يشاكله، و هو قوله:
«كُتِبَ عَلَيكُمُ القِصاصُ فِي القَتلي»، فكأنه قال بعده و لكم فيه حياة. و نظير هذه الآية قولهم: القتل أنفي للقتل. و بينهما من التفاوت في الفصاحة، و البلاغة ما بين السماء و الإرض و قيل: الفرق بينهما من أربعة أوجه:
أحدها- أنه أكثر فائدة. و ثانيها- أنه أوجز في العبارة. و ثالثها- أنه أبعد عن الكلمة بتكرير الجملة. و رابعها- أنه أحسن تأليفاً بالحروف المتلائمة.
أما كثرة الفائدة، ففيه ما في قولهم: (القتل أنفي للقتل) و زيادة معان حسنة: منها إبانة العدل، لذكره القصاص. و منها إبانة الغرض المرغوب فيه، لذكر الحياة. و منها الاستدعاء بالرغبة و الرهبة لحكم اللّه به.
و أما الإيجاز في العبارة، فان ألذي هو نظير (القتل أنفي للقتل) قوله تعالي:
«فِي القِصاصِ حَياةٌ» و هو عشرة أحرف. و الأول أربعة عشر حرفاً. و أما بعد التكلف، فهو أن في قولهم: (القتل أنفي للقتل) تكرير غيره أبلغ منه. و متي کان التكرير كذلك، فهو مقصر في باب البلاغة. و أما الحسن بتأليف الحروف المتلائمة، فهو مدرك بالحس، و موجود باللفظ، فان الخروج من الفاء إلي اللام أعدل من الخروج من اللام الي الهمزة، لبعد الهمزة من اللام. و كذلك الخروج من الصاد
[١] في المطبوعة «يتغابون».
[٢] هكذا في المطبوعة و لم أجد قول لأبي الجوزاء في هذا الموضع في ما حضرني من التفاسير، و لم أجد في كتب اللغة القصاص بمعني القران، الا أن يکون- بفتح القاف-