تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٥٨
إذا ارتكب صاحبها الكبيرة من الجرم کما لا يجب إن ارتد عن الايمان إلي الكفر و إنما يجب لمن أخلصها مما يفسق بها و هذا عندنا ليس بصحيح، لأن القول بالإحباط باطل و مفارقة الكبيرة بعد فعل الطاعة لا تحبط ثواب الطاعة بحال. و إنما يستحق بمعصيته العقاب و للّه فيه المشيئة، فأما الارتداد فعندنا أن المؤمن علي الحقيقة لا يجوز أن يقع منه كفر، و متي وقع ممن کان علي ظاهر الايمان ارتداد علمنا أن ما کان يظهره لم يكن إيماناً علي الحقيقة، و إنما قلنا ذلک لأنه لو کان إيماناً لكان مستحقاً به الثواب الدائم فإذا ارتد فيما بعد استحق بارتداده عقاباً دائماً فيجتمع له استحقاق الثواب الدائم و العقاب الدائم و ذلک خلاف الإجماع و قوله: «الّذين» رفع بالابتداء و ما بعده صلة له و خبره «فَلَهُم أَجرُهُم عِندَ رَبِّهِم» و إنما دخل الفاء في خبر الّذين لأن فيها معني الجزاء، لأنه يدل علي أن الأجر من أجل الإنفاق في طاعة اللّه. و لا يجوز أن يقال زيد فله درهم لأنه ليس فيه معني الجزاء و إنما رفع «وَ لا خَوفٌ عَلَيهِم وَ لا هُم يَحزَنُونَ» و نصب «لا رَيبَ فِيهِ» لأجل تكرير (لا) في جواب إذا قال الشاعر:
و ما صرمتك حتي قلت معلنة لا ناقة ليَ في هذا و لا جمل
فأما «لا رَيبَ فِيهِ»، فجواب (هل) من ريب فيه، فقيل لا ريب فيه علي عموم النفي کما أن السؤال علي استغراق الجنس بمن فالاعتماد في أحدهما علي عموم النفي و في الآخر علي اشتمال النفي علي شيئين قد توهم إثبات أحدهما. و الإنفاق إخراج ما کان من المال عن الملك و لهذا لا يصح في صفة اللّه (تعالي) الإنفاق:
و هو موصوف بالإعطاء لعباده ما شاء من نعمه لأن الإعطاء إيصال الشيء إلي الآخذ له و السر: إخفاء الشيء في النفس فأما اخفاؤه في خباء، فليس بسر في الحقيقة، و منه السّرار و المسّارة لأن کل واحد منهما يخفي الشيء عن غيره إلا عن صاحبه، و العلانية، نقيض السر و هو إظهار الشيء و إبرازه من النفس.