تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٨٤
و قوله تعالي: «يَشرِي نَفسَهُ» معناه يبيع نفسه، و قد بينا فيما مضي أن الشراء يکون بمعني البيع، کما قال: «وَ شَرَوهُ بِثَمَنٍ بَخسٍ»[١] أي باعوه و قال الشاعر:[٢]
و شريت برداً ليتني من بعد برد كنت هامه[٣]
أي بعت. و الشراء استبدال العوض بالثمن. و شري باع و اشتري ابتاع.
و شرا هاهنا مجاز، لأن أصله في الأثمان من العين، و الورق، لذلك لا يقال:
باع متاعه إذا تصدق به، لأن الأظهر إذا أطلق أنه باعه بالثمن.
و قوله تعالي: «ابتِغاءَ مَرضاتِ اللّهِ» معناه طلب مرضات اللّه، و مثله «حذر الموت»[٤] قال الشاعر:[٥]
و أغفرُ عوراءَ الكريم ادّخاره و أعرض عن شتم اللئيم تكرما[٦]
و لا يجوز قياساً علي ذلک فعله زيداً أي لزيد. و يجوز فعله خوفاً، لأن في ذكر المصدر دليلا علي العرض الداعي الي الفعل، و ليس كذلك ذكر زيد، و المرضاة و الرضي واحد و هو ضد السخط.
قوله تعالي: «وَ اللّهُ رَؤُفٌ بِالعِبادِ» قد بينا فيما مضي معني الرؤوف، و الخلاف فيه، و معناه ذو رحمة واسعة بعبده ألذي شري نفسه له في جهاد من جاهد في أمره من أهل الشرك، و الفسوق. و إنما ذكر الرؤوف بالعباد هنا للدلالة علي أنه انما رغّب العبد في بيع نفسه بالجهاد في نفسه رأفة به، و حسن نظر له، ليبتليه من الثواب المستحق علي عمله ما لا يجوز أن يصل إليه في جلالته إلا بتلك المنزلة.
[١] سورة يوسف آية: ٢٠.
[٢] هو يزيد بن مفرغ الحميري.
[٣] مر تخريجه في ١: ٣٤٨. و روايته هناك (من قبل) بدل (من بعد) و البيت مروي بالوجهين.
[٤] سورة البقرة آية: ١٩.
[٥] هو حاتم.
[٦] ديوانه: ٢٤، و نوادر أبي زيد: ١١، و الخزانة ١: ٤٩١. و غيرها و في البيت اختلاف كثير في الرواية، و الشاهد فيه عندهم نصب (ادخاره) علي أنه مفعول له.