تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٩٤
المعني:
معني قوله: «كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً» أهل ملة واحدة کما قال النابغة:
حلفتُ فلم أترك لنفسك ريبة و هل يأثمن ذو أمّة و هو طائع[١]
أي ذو ملة و دين. و أصل الأمة الأمّ من قولك: أمّ يؤم أماً: إذا قصده.
و هي علي أربعة أوجه:
فالأمة: الملة، و الأمة: الجماعة، و الأمة: المنفرد بالمقابلة، و الأمة: القابلة.
و اختلفوا في الدين ألذي كانوا عليه، فقال إبن عباس، و الحسن، و اختاره الجبائي: إنهم كانوا علي الكفر. و قال قتادة، و الضحاك: كانوا علي الحق، فاختلفوا.
فان قيل: إذا کان الزمان لا يخلوا من حجة كيف يجوز أن يجتمعوا كلهم علي الكفر، قلنا: يجوز أن يقال ذلک علي التغليب لأن الحجة إذا کان واحداً أو جماعة يسيرة، لا يظهرون خوفاً و تقية، فيكون ظاهر النّاس كلهم الكفر باللّه، فلذلك جاز الاخبار به علي الغالب من الحال، و لا يعتد بالعدة القليلة.
و قوله: «وَ أَنزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ» قيل في معناه قولان:
أحدهما- بما فيه من البيان عن الحق من الباطل. الثاني- أن معناه: بأنه حق للاستصلاح به علي ما توجبه الحكمة فيه.
و قوله: «لِيَحكُمَ بَينَ النّاسِ فِيمَا اختَلَفُوا فِيهِ» فحقيقته، ليحكم منزل الكتاب، لأن اللّه هو الحاكم بما أنزل فيه، فهو مجاز- في قول الجبائي- قال: إلا أنه جعل اللفظ علي الكتاب تفخيماً له، لما فيه من البيان. و يجوز أن يکون في يحكم ضمير اسم اللّه، فيكون حقيقة. و من ضم الياء قراءته لا شبهة فيها. و المعني ليحكم النّاس أو العلماء بما فيه من الحق.
و قوله تعالي: «وَ مَا اختَلَفَ فِيهِ» الهاء عائدة علي الحق. و قيل علي الكتاب.
و الأول أصح، لأن اختلافهم في الحق قبل إنزال الكتاب. فان قيل: إذا كانوا مختلفين علي إصابة بعضهم له، فكيف يکون الكفر عمهم به! قلنا: لا يمتنع
[١] ديوانه: ٤٠، و اللسان (أمم) من قصيدته في اعتذاره للنعمان.