تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٠٤
و يحتمل فضلناهم بأعمالهم الّتي استحقوا بها الفضيلة علي غيرهم. و الفرق بين الابتداء بالفضيلة و بين المحاباة ان المحاباة اختصاص البعض بالنفع علي ما توجبه الشهوة دون الحكمة، و ليس كذلك الابتداء بالفضيلة، لأنه قد يکون للمصلحة الّتي لولاها لفسد التدبير و أدي الي حرمان الثواب للجميع. فمن حسن النظر لهذا الإنسان تفضيل غيره عليه إذا کان في ذلک مصلحة له فهذا وجه تدعو إليه الحكمة و ليس كالوجه الأول ألذي انما تدعو إليه الشهوة.
و قوله: «وَ أَيَّدناهُ بِرُوحِ القُدُسِ» معناه قويناه. و الروح: جبريل. و القدس اللّه- علي قول الحسن- و قال إبن عباس: روح القدس: الاسم ألذي کان يحيي به الموتي. و الضمير في قوله: «مِن بَعدِهِم» عائد علي الرسل. و قال قتادة، و الربيع:
علي عيسي و موسي (ع). و جاز بلفظ الجميع، لأن ذكرهم قد يغني عن ذكر المتبعين لهم. کما يقال: خرج الأمير فانكوا في العدّو نكاية عظيمة.
و قوله: «وَ لَو شاءَ اللّهُ مَا اقتَتَلُوا» إخبار عن قدرته علي إلجائهم علي الامتناع من الاقتتال، أو بأن يمنعهم من ذاك. هذا قول الحسن و غيره. و جملته انه أخبر انه قادر علي أن يحول بينهم، و بين الاقتتال بالإلجاء و الاضطرار. و مثله «وَ لَو شِئنا لَآتَينا كُلَّ نَفسٍ هُداها» «وَ لَو شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الأَرضِ كُلُّهُم جَمِيعاً» فان جميع ذلک دلالة علي قدرته عليهم. و لا يدل قوله «وَ لَو شاءَ اللّهُ مَا اقتَتَلُوا» علي أنه قد شاء اقتتالهم، لأنه إذا احتمل الكلام وجهين: أحدهما- يجوز عليه و الآخر لا يجوز عليه، وجب حمله علي ما يجوز عليه، دون ما لا يجوز عليه، فلذلك کان تقدير الكلام و لو شاء اللّه امتناعهم بالإلجاء ما اقتتلوا. و نظيره قول القائل و لو شاء السلطان الأعظم، لم يشرب النصاري الخمر في سلطانه و لا نكحت المجوس الأمهات و البنات و ليس في ذلک دليل علي أنه قد شاءه و إنما كرر قوله: «وَ لَو شاءَ اللّهُ مَا اقتَتَلُوا» لاختلاف المعني. فمعني الأول لو شاء اللّه ما اقتتلوا قتالهم، و يجوز أن يکون لتأكيد البينة علي هذا المعني. و قال قوم: الأول معناه لو شاء اللّه ما اقتل