تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٩٥
النزول:
قيل: إن هذه الآية نزلت لما حولت القبلة، و كثر الخوض في نسخ تلك الفريضة، صار كأنه لا يراعي بطاعة اللّه إلا التوجه للصلاة، فأنزل اللّه تعالي الآية، و بين فيها أن البرّ ما ذكره فيها، و دل علي أن الصلاة إنما يحتاج إليها لما فيها من المصلحة الدينية، و إنه انما يأمر بها، لما في علمه أنها تدعو الي الصلاح، و تصرف عن الفساد، و إن ذلک يختلف بحسب الأزمان، و الأوقات.
المعني:
و قوله: «لَيسَ البِرَّ» قيل فيه قولان: أحدهما- ذكره إبن عباس، و مجاهد:
أنه «ليس البرّ» كله في التوجه الي الصلاة بل حتي يضاف إلي ذلک غيره من الطاعات الّتي أمر اللّه تعالي بها. و الثاني- قاله قتادة، و الربيع و اختاره الجبائي:
انه «ليس البرّ» ما عليه النصاري من التوجه الي المشرق، أو ما عليه اليهود من التوجه الي المغرب «وَ لكِنَّ البِرَّ» ما ذكره اللّه تعالي في الآية، و بينه. و قوله:
«وَ لكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ» قيل فيه ثلاثة أقوال:
أولها- «وَ لكِنَّ البِرَّ» بر «مَن آمَنَ بِاللّهِ» فحذف المضاف، و أقام المضاف اليه مقامه، و اختاره المبرد، لقوله «لَيسَ البِرَّ أَن تُوَلُّوا» و قال النابغة:
و قد خفت حتي ما تزيد مخافتي علي وعلٍ في ذي المطارة عاقل[١]
يعني مخافة وعل. و قالت الخنساء:
ترتع ما غفلت حتي إذا ادّكرت فإنما هي إقبال و إدبار[٢]
معناه انما هي مقبلة تارة، و مدبرة أخري، فبالغ، فجعلها إقبالا و إدباراً،
[١] مر تخريجه في ٢: ٧٨.
[٢] اللسان (قبل) في المطبوعة (غفت) بدل (غفلت) و في مجمع البيان (ما رتعت).
الرتع: الأكل في شره، و رتعت المواشي: أكلت ما شاءت و جاءت و ذهبت. ادكرت: تذكرت.