تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٩١
بدلا من هدي، فقد قصدوا الضلال بدلا من الهدي، و إن لم يقصدوه من وجه أنه ضلال. و لا يجوز أن يقول: قصدوا أن يضلوا. لأنه يوهم أنهم قصدوه من هذا الوجه، کما ينبئ علموا أنهم يضلون غير أنهم علموه من هذا الوجه، و يجوز قصدوا الضلال، و علموا الضلال، لأنه لا ينبئ علي هذا الوجه و إنما علموه، و قصدوه من وجه آخر، و هو جحدهم محمداً (ص) بدلا من التصديق به.
و قوله تعالي «فَما أَصبَرَهُم عَلَي النّارِ» الفاء معناها معني الجواب، لأن الكلام المتقدم قد تضمن معني من کان بهذه الصفة، «فَما أَصبَرَهُم عَلَي النّارِ» فعومل معاملة المعني ألذي تضمنه حتي كأنه قد لفظ به. و العجب لا يجوز علي القديم تعالي، لأنه عالم بجميع الأشياء، لا يخفي عليه شيء. و التعجب يکون مما لا يعرف سببه. و إنما الغرض- من الآية- أن يدلنا علي أن الكفار حلوّ محل من يتعجب منه، فهو تعجيب لنا منهم. و قد قيل في معنا (ما) في قوله «فَما أَصبَرَهُم عَلَي النّارِ» قولان:
أحدهما- قال الحسن، و قتادة، و مجاهد: إنها للتعجب. و الثاني- قال إبن عباس، و إبن جريج، و إبن زيد و السدي: إنها للاستفهام. و قيل في معنا «أصبرهم» أربعة أقوال:
أحدها- ما أجرأهم علي النار، ذهب اليه الحسن و قتادة. و الثاني- قال مجاهد:
ما أعملهم بأعمال أهل النار. و هو المروي عن أبي عبد اللّه (ع) .
و الثالث- حكاه الزجاج: ما أبقاهم علي النار، کما تقول: ما أصبره علي الحبس. و الرابع- ذكره الفراء: ما صبرهم علي النار أي حبسهم عليها. و قال الكسائي: هو استفهام علي وجه التعجب. قال أبو العباس: المبرد: هذا حسن كأنه توبيخ لهم و تعجيب لنا، مثل قولك للذي وقع في هلكة ما اضطرّك الي هذا، إذا کان غنياً عن التعرض للوقوع في مثلها. يقال: أصبرت السبع، و الرجل، و نحوه إذا نصبته لما يكره.
و قال الحطيئة:
قلتُ لها أصبرُها جاهداً ويحك أمثال طريف قليل:[١]
[١] اللسان (صبر). الضمير في أصبرها عائد علي النفس، و كأنه يقول: احبس نفسك علي الجهاد.