تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٠١
و قوله تعالي: [سورة آلعمران (٣): آية ٨]
رَبَّنا لا تُزِغ قُلُوبَنا بَعدَ إِذ هَدَيتَنا وَ هَب لَنا مِن لَدُنكَ رَحمَةً إِنَّكَ أَنتَ الوَهّابُ (٨)
آية.
المعني:
هذه حكاية عن الراسخين في العلم الّذين ذكرهم في الآية الاولي، القائلين «آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِندِ رَبِّنا» القائلين «رَبَّنا لا تُزِغ قُلُوبَنا» و قيل في معني لا تزغ قلوبنا قولان:
أحدهما- «لا تُزِغ قُلُوبَنا» عن الحق بمنع اللطف ألذي يستحق معه أن تنسب قلوبنا إلي الزيغ. و الثاني- قال أبو علي معناه لا تزغ قلوبنا عن الثواب بعد أن دعوتنا إليه و دللتنا عليه، و لا يجوز أن يکون المراد لا تزغ قلوبنا عن الايمان، لأنه تعالي کما لا يأمر بالكفر كذلك لا يزيغ عن الايمان. فان قيل: هلا جاز علي هذا أن يقولوا: ربنا لا تظلمنا، و لا تجر علينا! قلنا لأن في تجر علينا تسخط السائل لاستعماله ممن جرت عادته بالجور، و ليس كذلك «لا تُزِغ قُلُوبَنا» علي معني سؤال اللطف، و ان کان لا يجوز في حكمته تعالي منع اللطف. کما لا يجوز فعل الجور و ذلک بمنزلة سؤال الملائكة في قولهم «فَاغفِر لِلَّذِينَ تابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِم عَذابَ الجَحِيمِ رَبَّنا وَ أَدخِلهُم جَنّاتِ عَدنٍ الَّتِي وَعَدتَهُم»[١] و اللّه لا يجوز عليه خلف الوعد، کما لا يجوز عليه فعل الجور يبين ذلک قوله: «فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللّهُ قُلُوبَهُم»[٢] و معناه فلما مالوا عن الحق نسب اللّه قلوبهم إلي الزيغ، لما كانت عليه. و إنما أضاف الزيغ إلي القلب، و إن کان المراد به الجملة لأن القلب أشرف الأعضاء، و هو محل السرور، و الغم فلذلك خص بالذكر.
[١] سورة مؤمن آية: ٧- ٨.
[٢] سورة الصف آية: ٥.