تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٠٠
المعني و الاعراب اللغة:
و قوله: «ابتِغاءَ الفِتنَةِ» قال السدي: الفتنة هاهنا الشرك. و قال مجاهد:
اللبس. و قيل الضلال عن الحق، و هو أعم فائدة. و أصل الفتنة: التخليص من قولهم فتنت الذهب بالنار: إذا أخلصته، فالذي يبتغي الفتنة، يبتغي التخليص إلي الضلال بما يورده من الأشياء. و قوله: (وَ ما يَعلَمُ تَأوِيلَهُ إِلَّا اللّهُ) قيل في معناه قولان: أحدهما- ما يعلم تأويل جميع المتشابه «إلا اللّه»، لأن فيه ما يعلم النّاس، و فيه ما لا يعلمه النّاس من نحو تعيين الصغيرة عند من قال بها، و وقت الساعة، و ما بيننا و بينها من المدة. هذا قول عائشة، و الحسن، و مالك، و اختاره الجبائي، و أكثر المتأولين. و عندهم أن الوقف علي قوله «إلا اللّه» و يکون قوله:
«وَ الرّاسِخُونَ فِي العِلمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ» مستأنفاً و التأويل علي قولهم: معناه المتأول، کما قال تعالي «هَل يَنظُرُونَ إِلّا تَأوِيلَهُ يَومَ يَأتِي تَأوِيلُهُ» يعني الموعود به. و الوجه الثاني- ما قاله إبن عباس، و مجاهد، و الربيع «وَ ما يَعلَمُ تَأوِيلَهُ إِلَّا اللّهُ وَ الرّاسِخُونَ فِي العِلمِ» يعلمونه قائلين آمنا کما قال الشاعر:
و الريح تبكي شجوة و البرق يلمع في الغمامة
يعني و البرق أيضاً يبكيه لامعاً في غمامة. و قوله: «كُلٌّ مِن عِندِ رَبِّنا» حذف المضاف من «کل» عند البصريين، لأنه اسم دال علي المضاف كثير في الكلام فلا يجيزون «إِنّا كُلٌّ فِيها» علي الصفة و يجيزه الكوفيون، لأنه إنما حذف عندهم لدلالته علي المضاف فقط اسماً کان أو صفة. و إنما بني قبل علي الغاية، و لم يبن کل، و إن حذف من کل واحد منهما المضاف، لأن قبل ظرف يعرف، و ينكر، ففرق بين ذلک بالبناء ألذي يدل علي تعريفه بالمضاف، و الاعراب ألذي يدل علي تنكيره بالانفصال، و ليس كذلك کل لأنه معرفة في الافراد دون نكرة فأما (ليس غير) فمشبه بحسب لما فيه من معني الأمر.