تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٩٧
فرددنا إليه المتشابه و من ذلک قوله: «قُل كُلٌّ مِن عِندِ اللّهِ»[١] فرددناه إلي المحكم ألذي هو قوله: «وَ يَقُولُونَ هُوَ مِن عِندِ اللّهِ وَ ما هُوَ مِن عِندِ اللّهِ وَ يَقُولُونَ عَلَي اللّهِ الكَذِبَ وَ هُم يَعلَمُونَ»[٢] و من ذلک قوله: «وَ ما تَشاؤُنَ إِلّا أَن يَشاءَ اللّهُ»[٣] متشابه، و بين المراد بالمحكم ألذي هو قوله: «وَ مَا اللّهُ يُرِيدُ ظُلماً لِلعالَمِينَ»[٤] و من ذلک اعتراض الملحدين في باب النبوة بما يوهم المناقضة كقوله: «قُل أَ إِنَّكُم لَتَكفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرضَ فِي يَومَينِ وَ تَجعَلُونَ لَهُ أَنداداً ذلِكَ رَبُّ العالَمِينَ وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوقِها وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ فِيها أَقواتَها فِي أَربَعَةِ أَيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ ثُمَّ استَوي إِلَي السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلأَرضِ ائتِيا طَوعاً أَو كَرهاً قالَتا أَتَينا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبعَ سَماواتٍ فِي يَومَينِ»[٥] فقال اليومان و الاربعة و اليومان ثمانية ثم قال «هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الأَرضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ» فأوهموا أن ذلک مناقضة و ليس الأمر علي ما ظنوه لأن ذلک يجري مجري قول القائل: سرنا من البصرة إلي بغداد في عشرة أيام و سرنا إلي الكوفة في خمسة عشر يوماً فالعشرة داخلة في الخمسة عشر و لا يضاف فيقال: عشرة، و خمسة عشر خمسة و عشرون يوماً کان فيها السير، فكذلك خلق اللّه الإرض في يومين و قضاهن سبع سماوات في يومين و تمم خلقهن في ستة أيام. و تقديره خلق الإرض في يومين من غير تتميم و جعل فيها رواسي و ما تم به خلقها في أربعة أيام فيها اليومان الأولان کما يقال: جعل الدور في شهرين و فرغ منهن في أربعة أشهر. فيكون المحكم قد أبان عن معناه أنه علي جهة خلق الإرض في يومين من غير تتميم، و ليس علي وجه التضاد علي ما ظنوه.
فان قيل: كيف يکون المحكم حجة مع جواز تقييده بما في العقل! و في ذلک إمكان کل مبطل أن يدعيه فتذهب فائدة الاحتجاج بالمحكم! قلنا: لا يجب ذلک من قبل أن التقييد بما في العقل إنما يجوز فيما کان رداً إلي تعارف من جهة
[١] سورة النساء آية: ٧٧.
[٢] سورة آل عمران آية: ٧٨.
[٣] سورة التكوير آية: ٢٩، و سورة الدهر آية: ٣٠.
[٤] سورة آل عمران آية: ١٠٨.
[٥] سورة حم السجدة آية: ٩- ١٢.