تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٧٤
«وَ لَو لا أَن تُصِيبَهُم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَت أَيدِيهِم فَيَقُولُوا رَبَّنا»[١] و معناه و لو لا أن يقولوا أن أصابهم مصيبة، و إنما قدّم و أخر. قال الرماني قول سيبويه في هذا أقوي لما في الثاني من الدعوي لإخراج الجزاء إلي المصدر لغير فائدة.
و أنكر بعضهم قراءة حمزة «إن تضل»- بكسر الهمزة- و قال الرماني:
لا معني لهذا الإنكار، لأن عليها إجماع الأمة و تسليم القراءة بها و لها وجه صحيح في العربية. و قال أبو علي الفارسي إن حمزة جعل إن للجزاء، و الفاء في قوله «فتذكر» جواب الجزاء، و يکون موضع جوابه رفعاً بكونها وصفاً للمنكرين و هما المرأتان في الآي و قوله: (فَرَجُلٌ وَ امرَأَتانِ) خبر ابتداء محذوف، و تقديره فمن يشهد رجل و امرأتان، و انفتحت اللام في هذه القراءة لالتقاء الساكنين، و موضعهما الجزم و لو كسرت، لكان جائزاً و قال قوم: غلط سفيان بن عيينة في تأويله، لأن إحداهما إذا نسيت لم تجعلها الأخري ذكراً و هذا ليس بشيء، لأن المعني تذكرها تصير معها بمنزلة الذكر لأن بعدهما من النسيان إذا اجتمعا بمنزلة بعد الذكر، فان قيل: فلم قال «فَتُذَكِّرَ إِحداهُمَا الأُخري» فكرر لفظ إحداهما، و لو قال فتذكرها الأخري لقام مقامه مع اختصاره. قيل قال الحسين بن علي المغربي: إن تضل إحداهما يعني إحدي الشهادتين أي تضيع بالنسيان فتذكر أحدي المرأتين الأخري، لئلا يتكرر لفظ إحداهما بلا معني و يؤيد ذلک أنه يسمي ناسي الشهادة ضالًا. و يجوز أن يقال: ضلت الشهادة إذا ضاعت کما قال تعالي: «قالُوا ضَلُّوا عَنّا»[٢] أي ضاعوا منا و يحتمل أن يکون إنما كرر لئلا يفصل بين الفعل و الفاعل بالمفعول فان ذلک مكروه غير جيد، فعلي هذا يکون إحداهما الفاعلة و الاخري مفعولًا بها. و قوله: (وَ لا يَأبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا) قيل في معني ما دعوا إليه ثلاثة أقوال:
أحدها- لاثبات الشهادة في الكتاب و تحملها ذهب إليه إبن عباس، و قتادة،
[١] سورة القصص آية: ٤٧.
[٢] سورة الاعراف آية: ٣٦، و سورة المؤمن آية: ٧٣.