تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢١٠
ترجياً، و ارتجي ارتجاء، و الرجا- مقصوراً- ناحية کل شيء، و يثني رجوان و جمعه أرجاء، و منه أرجاء البئر نواحيه، و قوله تعالي «ما لَكُم لا تَرجُونَ لِلّهِ وَقاراً»[١] أي لا تخافون، قال أبو ذؤيب:
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها و خالفها في بيت نوب عواسل[٢]
أي لم يخف، و ذلک أن الرجاء للشيء الخوف من أن لا يکون، فلذلك سمي الخوف باسم الرجاء، و أصل الباب الأمل، و هو ضد اليأس.
المعني:
و في الآية دلالة علي أن من مات مصراً علي كبيرة لا يرجو رحمة اللّه لامرين:
أحدهما- أن ذلک دليل الخطاب، و ذلک غير صحيح عند أكثر المحصلين.
و الثاني- أنه قد يجتمع- عندنا- الايمان و الهجرة و الجهاد مع ارتكاب الكبيرة، فلا يخرج من هذه صورته عن تناول الآية له، و إنما ذكر المؤمنين برجاء الرحمة و إن كانت هي لهم لا محالة، لأنهم لا يدرون ما يکون منهم من الاقامة علي طاعة اللّه أو الانقلاب عنها الي معصيته، لأنهم لا يدرون كيف تكون أحوالهم في المستقبل. و قال الجبائي: لأنهم لا يعلمون أنهم أدّوا کما يجب للّه عليهم، لأن هذا العلم من الواجب، و هم لا يعلمونه إلا بعلم آخر، و كذلك سبيل العلم في أنهم لا يعلمونه إلا بعلم غيره، و هذا يوجب أنهم لا يعلمون إذاً کما يجب للّه عليهم. و قال إبن الأخشاد: لأنه لا يتفق للعبد التوبة من کل معصية، و استدل علي ذلک بإجماع الأمة علي أنه ليس لأحد غير النبي (ص). و من شهد له عليه، فلا.
و يمكن في الآية وجه آخر- علي مذهبنا- و هو أن يکون رجاءهم لرخصة اللّه في غفران معاصيهم الّتي لم يتفق لهم التوبة عنها، و اخترموا دونهم، فهم يرجون أن يسقط اللّه عقابها عنهم تفضلا. فأما الوجه الاول، فإنما يصح علي مذهب من
[١] سورة نوح آية: ١٣.
[٢] اللسان (رجا)، (خلف) في المطبوعة (عوامل) بدل (عواسل) أي دخل عليها و أخذ عسلها. و يروي (و حالفها) أي لزمها.