تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١١
و قوله: «وَ ما كانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُم» قيل في معناه اقوال:
أولها- قال إبن عباس و قتادة و الربيع: لما حولت القبلة قال ناس: كيف بأعمالنا الّتي كنا نعمل في قبلتنا الاولي. و قيل: كيف من مات من إخواننا قبل ذلک، فانزل اللّه (وَ ما كانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُم).
الثاني- معناه قال الحسن: و انه لما ذكر ما عليهم من المشقة في التحويلة اتبعه بذكر ما لهم عنده من المثوبة و انه لا يضيع ما عملوه من الكلفة فيه. لان التذكير به يبعث علي ملازمة الحق و الرضا به.
الثالث- قال البلخي: انه لما ذكر انعامه عليهم بالتولية الي الكعبة ذكر سبب ذلک ألذي استحقوه به و هو ايمانهم بما عملوه أولا فقال: «وَ ما كانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُم» ألذي استحققتم به تبليغ محبتكم في التوجه الي الكعبة.
اللغة:
و الاضاعة مصدر أضاع يضيع. و ضاع الشيء يضيع ضياعة، وضعه تضييعاً. قال صاحب العين: ضيعة الرجل حرفته. يقال: ما ضيعتك اي ما حرفتك، هذا في الضياع و ضاع عمل فلان ضيعة، و ضياعاً. و تركهم بضيعة و مضيعة. و الضيعة و الضياع معروف و اصل الضياع الهلاك.
و قوله: (إِنَّ اللّهَ بِالنّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ) ان قيل: ما ألذي اقتضي ذكر هذه الصفة، قلنا الرؤوف بعباده الرحيم بهم لا يضيع عنده عمل عامل منهم، فدل بالرأفة و الرحمة علي التوفير عليهم فيما استحقوه دون التضيع لشيء منه. و انما قدمت الرأفة علي الرحمة، لان الرأفة أشد مبالغة من الرحمة ليجري علي طريقة التقديم- بما هو اعرف- مجري اسماء الاعلام ثم إتباعه بما هو دون منه ليكون مجموع ذلک تعريفاً أبلغ منه، لو انفرد کل واحد عن الاخر کما هو في الرحمن الرحيم فرءوف علي وزن فعول، لغة اهل الحجاز. علي وزن فعل، لغة غيرهم قال الانصاري[١]:
[١] هو كعب بن مالك الانصاري.