تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٠٨
و من ادعي نسخها، لقوله (ع): لا وصية لوارث، فقد أبعد، لأن هذا أولا خبر واحد لا يجوز نسخ القرآن به إجماعاً. و عندنا لا يجوز العمل به في تخصيص عموم القرآن. و ادعاؤهم أن الأمة أجمعت علي الخبر دعوي عارية من برهان. و لو سلمنا الخبر جاز أن نحمله علي أنه لا وصية لوارث فيما زاد علي الثلث، لأنا لو خلينا و ظاهر الآية لأجزنا الوصية بجميع ما يملك للوالدين و الأقربين، لكن خص ما زاد علي الثلث لمكان الإجماع.
فأما من قال: إن الآية منسوخة بآية الميراث فقوله بعيد عن الصواب. لأن الشيء إنما ينسخ غيره: إذا لم يمكن الجمع بينهما، فأما إذا لم يكن بينهما تناف و لا تضاد بل أمكن الجمع بينهما، فلا يجب حمل الآية علي النسخ، و لا تنافي بين ذكر ما فرض اللّه للوالدين و غيرهم من الميراث، و بين الامر بالوصية لهم علي جهة الخصوص، فلم يجب حمل الآية علي النسخ. و قول من قال: حصول الإجماع علي أن الوصية ليست فرضاً يدل علي أنها منسوخة باطل، لأن إجماعهم علي أنها لا تفيد الفرض، لا يمتنع من كونها مندوباً إليها و مرغّباً فيها، و لأجل ذلک كانت الوصية للوالدين، و الأقربين الّذين ليسوا بوارث ثابتة بالآية و لم يقل أحد أنها منسوخة في خبرهم[١].
و من قال: إن النسخ من الآية ما يتعلق بالوالدين، و هو قول الحسن و الضحاك، فقد قال قولا ينافي ما قاله مدعي نسخ الآية- علي کل حال- و مع ذلک فليس الأمر علي ما قال، لأنه لا دليل علي دعواه. و قال طاوس: إذا وصي لغير ذي قرابة لم تجز وصيته. و قال الحسن: ليست الوصية إلا للأقربين و هذا ألذي قالاه عندنا و إن کان غير صحيح، فهو مبطل قول من يدعي نسخ الآية. و إنما قلنا أنه ليس بصحيح، لأن الوصية لغير الوالدين، و الأقربين عندنا جائزة. و لا خلاف بين الفقهاء في جوازها. و الوصية لا تجوز بأكثر من الثلث إجماعاً، و الأفضل أن يکون بأقل من الثلث،
لقوله (ع) و الثلث كثير
، و أحق من وصي له من کان
[١] نسب الخبر اليهم مع أنهم يروونه عن النبي (ص)، لأنه لا يسلم صحته.