تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٢٣
فان قيل: لم لا ذكرت الحجة في أن ما يدعون اليه لا يجوز.
قيل له: تقبيحاً لها من حيث أخرجت مخرج مقالة يكفي العلم بفسادها، حكايتها مع الاستغناء بما في العقول عن الدلالة علي بطلانها.
فان قيل: فهلا أنكر عليهم من طريق أن کل ما دعوا اليه لا يجوز للإيجاز!
قيل: لأنه إنكار متصل علي حد ما يسألوا و لو أنكر انكاراً مجملا لم يبين به تفصيل ما سألوه إلا بأن يحكي علي انفراده. ثم يحمل الإنكار به فحينئذ يفهم منه معني المفصل.
فان قيل: فهلا بين ذكرهم بصفة غير منكر!
قيل: قد بين ذلک بعلم التعريف له إلا أنه بصفات الذم الّتي فيها معني الزجر و هي دالة علي أحوالهم فيما دعوا له من الباطل، و تفحموا من أحوال الجاهل.
فان قيل: فلم قال «لَكُم دِينُكُم وَ لِيَ دِينِ» مع ما يقتضي ظاهره التسليم!
قيل: مظاهرة في الإنكار، کما قال تعالي «اعمَلُوا ما شِئتُم»[١] لما صاحبه من الدليل علي التمكين و شدة الوعيد بالقبح لأنه إذا اخرج الكلام مخرج التسليم للأمر دل علي أن الضرر لا يلحق إلا المسلم اليه، فكأنه قيل له: أهلك نفسك إن کان ذلک خيراً لك.
فان قال: فلم قيل: و لا أنتم عابدون ما أعبد، و لم يقل من أعبد!
قيل له: لأنه مقابل لقوله «وَ لا أَنا عابِدٌ ما عَبَدتُّم» من الأصنام، و لا يصلح هاهنا إلا (ما) دون (من) لأنه يعني و لا أنا عابد ما عبدتم من الأصنام ثم حمل الثاني علي الاول للتقابل حتي لا يتنافر. و قيل: ان معناه و لا أنا عابد عبادتكم و لا أنتم عابدون عبادتي، لان عبادته متوجهة إلي اللّه، و عبادتهم متوجهة إلي الأصنام
[١] سورة ٤١ (فصلت) حم السجدة آية ٤٠