تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٢٨
و هم أكثر القراء جعل الفعل لما لم يسم فاعله. و فتح الحسن الياء لأنهم إذا أدخلوا فقد دخلوا. و معني الآية الإنكار عليهم قولهم: إن دخل أصحاب محمّد الجنة، فانا ندخلها قبلهم لا محالة، فقيل و أي شيء لكم عند اللّه يوجب هذا! و لم تحتقرون هؤلاء! و قد خلقناهم جميعاً مما يعلمون أي من تراب.
و قوله (كَلّا إِنّا خَلَقناهُم مِمّا يَعلَمُونَ) قال الحسن: خلقناهم من النطفة، و قال قتادة: إنما خلقت من قذر يا بن آدم فاتق اللّه. و قال الزجاج: أي من تراب، ثم من نطفة، فأي شيء لهم يدخلون به الجنة، و هم لك علي العداوة، و هذا حجاج لأن خلقهم من ماء مهين يقتضي أنهم خلقوا للعبادة، فجعل في خلقهم من هذا عبرة، و لو لا ذلک لابتدأهم في نعيم الجنة، و لم يكن لتنقلهم في الصور و الأحوال معني في الحكمة، و قال بعضهم: المعني خلقناهم من الّذين يعلمون أو من الخلق أو الجنس ألذي يعلمون و يفقهون، و تلزمهم الحجة، و لم يخلقهم من الجنس ألذي لا يفقه كالبهائم و الطير، و إنما قال (مِمّا يَعلَمُونَ) فجمع، لأنه قال قبل ذلک (خلقناهم) فجمع (يعلمون) و وجه أخر و هو أنه خلقهم من أجل ما يعلمون من الثواب و العقاب و التكليف للطاعات تعريضاً للثواب، کما يقول القائل: غضبت عليك مما تعلم أي من أجل ما تعلم قال الأعشي:
أ أزمعت من آل ليلي ابتكاراً و شطت علي ذي هوي أن تزاوا[١]
علي انه لم يزمع من عندهم، و إنما أزمع من أجلهم للمصير اليهم.
و قوله (فَلا أُقسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ وَ المَغارِبِ) قسم من اللّه تعالي برب المطالع و المغارب، و (لا) مفخمة و قد بينا القول في ذلک. و قال إبن عباس: الشمس لها ثلاثمائة و ستون مطلعاً کل يوم مطلع لا تعود اليه إلا إلي قابل. و قوله (إِنّا لَقادِرُونَ)
[١] ديوانه ٨٠ و اللسان (زمع)