تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٦٤
بارتكاب المعاصي و ترك ما وجب عليه، فالإيثار إرادة الشيء علي طريقة التفضيل له علي غيره، و مثله الاختيار، لأنه يختاره علي انه خير من غيره، فمن آثر الأدني علي الاولي فهو منقوص بالحاجة، کما ان من آثر القبيح علي الحسن کان منقوصاً.
و قيل: المعني من آثر نعيم الحياة الدنيا علي نعيم الآخرة و الحياة حياتان: حياة الدنيا و هي المنقطعة الفانية، و حياة الآخرة، و هي الدائمة، فمن آثر الباقي الدائم علي الفاني المنقطع کان حسن الاختيار، و من آثر الفاني علي الباقي کان سيء الاختيار مقبحاً.
ثم بين تعالي ما له في الآخرة فقال «فَإِنَّ الجَحِيمَ هِيَ المَأوي» اي النار مثواه و مستقره و موضع مقامه.
ثم ذكر من هو بضد ذلک فقال «وَ أَمّا مَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ» و معناه من خاف مقام مسألة ربه عما يجب فعله أو تركه و عمل بموجب ذلک بأن فعل الطاعة و أمتنع من المعصية «و نهي نفسه عن الهوي» و ما تدعو اليه شهواته، فالهوي اريحية في النفس تدعو إلي ما لا يجوز في العقل، فاتباع الهوي مذموم، و ليس يجوز أن يعمل شيئاً لداعي الهوي و إن عمل لداعي العقل علي موافقة الهوي لم يضره. و قيل:
هم قوم صغرت الدنيا في عينهم حين رأوا الآخرة- ذكره قتادة- و قيل: الزهد في الدنيا، و الرغبة في الاخرة هو التمسك بطاعة اللّه و اجتناب معصيته.
ثم بين تعالي ما له في مقابلة ذلک من الثواب، فقال «فَإِنَّ الجَنَّةَ هِيَ المَأوي» أي هي مقره و مأواه، فالالف و اللام تعاقب الضمير كقولهم مررت بحسن الوجه أي حسن وجهه. و قال الزجاج: تقديره هي المأوي له و لا يکون بدلا من الهاء کما لا يکون بدلا من الكاف في قولك غض الطرف، قال: و قال الشاعر:
فغض الطرف إنك من نمير فلا سعداً بلغت و لا كلابا[١]
[١] مر في ٩/ ٣٤١