تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٥٤
و المخاطرة، و قيل: العقبة النتئة الضيقة في رأس الجبل يتعاقبها النّاس، فشبهت بها العقبة في وجوه البر الّتي ذكرها اللّه تعالي. و عاقب الرجل صاحبه إذا صار في موضعه بدلا منه. و قال قتادة: فلا اقتحم العقبة إنها قحمة شديدة، فاقتحموها بطاعة اللّه.
و قال أبو عبيدة: معناه فلم يقتحم في الدنيا.
ثم فسر العقبة فقال «وَ ما أَدراكَ مَا العَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَو إِطعامٌ فِي يَومٍ ذِي مَسغَبَةٍ» و تقديره اقتحام العقبة فك رقبة، لان العقبة جثة و الفك حدث، فلا يکون خبراً عن جثة. قال ابو علي و (لا) إذا كانت بمعني (لم) لم يلزم تكرارها.
ثم بين تعالي ما به يکون اقتحام العقبة فقال «فَكُّ رَقَبَةٍ» فالفك فرق يزيل المنع، و يمكن معه أمر لم يكن ممكناً قبل، كفك القيد و الغل، لأنه يزول به المنع، و يمكن به تصرف في الإرض لم يكن قبل، ففك الرقبة فرق بينها و بين حال الرق بإيجاب الحرية و إبطال العبودية. و قوله «أَو إِطعامٌ فِي يَومٍ ذِي مَسغَبَةٍ» فالمسغبة المجاعة سغب يسغب سغباً إذا جاع، فهو ساغب قال جرير:
تعلل و هي ساغبة بنيها بأنفاس من الشبم القراح[١]
و قوله «يَتِيماً» نصب ب «إِطعامٌ» في قراءة من نون نصبه بالمصدر. و من قرأ علي الفعل الماضي نصبه به، فهو مفعول به في الحالين، و اليتيم الصبي ألذي قد مات أبوه و أمه، و الأغلب في اليتيم من الأب في النّاس. و قوله «ذا مَقرَبَةٍ» معناه ذا قرابة، و لا يقال: فلان قرابتي و إنما يقال ذو قرابتي، لأنه مصدر، کما قال الشاعر:
يبكي الغريب عليه حين يعرفه و ذو قرابته في النّاس مسرور
و قوله «أَو مِسكِيناً» عطف علي يتيماً. و «ذا مَترَبَةٍ» معناه ذا حاجة شديدة
[١] اللسان (قرح)