تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٦٨
يقول اللّه تعالي «عَبَسَ وَ تَوَلّي» و معناه قبض وجهه و أعرض، فالعبوس تقبض الوجه عن تكره، و العبوس البسور و هو التقطيب و عبس فلان في وجه فلان مثل كلح، و منه اشتق اسم عباس، و معني «تَوَلّي» أعرض و ذهب بوجهه عنه فصرفه عن ان يليه يقال: تولي عنه بمعني أعرض عنه، و تولاه بخلاف تولي عنه، فان تولاه بمعني عقد علي نصرته، و تولي عنه أعرض.
و قوله «أَن جاءَهُ الأَعمي» معناه عبس لأن جاءه الأعمي، و قال إبن خالويه:
تقديره إذ جاءه الأعمي، و الأعمي المراد به عبد اللّه بن أم مكتوم- في قول إبن عباس و مجاهد و قتادة و الضحاك و إبن زيد- و قال الفراء: كانت أم مكتوم أم أبيه.
و قال غيره: كانت أمه. و قال إبن خالويه أبوه يكني أبا السرج. و اختلفوا فيمن وصفه اللّه تعالي بذلك، فقال كثير من المفسرين و أهل الحشو: إن المراد به النبي صلي اللّه عليه و آله قالوا و ذلک
أن النبي صلي اللّه عليه و آله کان معه جماعة من أشراف قومه و رؤسائهم قد خلا بهم فاقبل إبن أم مكتوم ليسلم فأعرض النبي صلي اللّه عليه و آله عنه كراهية أن تكره القوم إقباله عليه فعاتبه اللّه علي ذلک.
و قيل: إن إبن أم مكتوم کان مسلماً، و إنما کان يخاطب النبي صلي اللّه عليه و آله و هو لا يعلم أن رسول اللّه مشغول بكلام قوم، فيقول يا رسول اللّه.
و هذا فاسد، لان النبي صلي اللّه عليه و آله قد أجل اللّه قدره عن هذه الصفات، و كيف يصفه بالعبوس و التقطيب، و قد وصفه بأنه «لَعَلي خُلُقٍ عَظِيمٍ»[١] و قال «وَ لَو كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلبِ لَانفَضُّوا مِن حَولِكَ»[٢] و كيف يعرض عمن تقدم وصفه مع قوله تعالي «وَ لا تَطرُدِ الَّذِينَ يَدعُونَ رَبَّهُم بِالغَداةِ وَ العَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجهَهُ»[٣] و من عرف النبي صلي اللّه عليه و آله و حسن أخلاقه و ما خصه اللّه تعالي به من مكارم الأخلاق و حسن
[١] سورة ٦٨ القلم آية ٤
[٢] سورة ٣ آل عمران آية ١٥٩
[٣] سورة ٦ الانعام آية ٥٢