تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٤٢
قال قتادة: ما دعا عليهم إلا بعد ما أنزل عليه «أَنَّهُ لَن يُؤمِنَ مِن قَومِكَ إِلّا مَن قَد آمَنَ»[١] فلذلك قال (إِنَّكَ) يا رب (إِن تَذَرهُم) يعني تتركهم و لا تهلكهم (يُضِلُّوا عِبادَكَ) عن الدين بالإغواء عنه و الدعاء إلي خلافه (وَ لا يَلِدُوا إِلّا فاجِراً كَفّاراً) و إلا فلم يعلم نوح الغيب، و إنما قال ذلک بعد أن اعلمه اللّه ذلک و إنما جاز أن يقول (وَ لا يَلِدُوا إِلّا فاجِراً كَفّاراً) فيسيمهم بالكفر و الفجور قبل أن يعملوه، لأنه علي وجه الحكاية و الاخبار بما يکون منهم لو وجدوا لا علي وجه الذم لهم، لاقتضاء العقل علي أنه لا يذم علي الكفر من لم يكن منه كفر، فكأنه قال و لا يلدوا إلا من إذا بلغ كفر، و (الديار) فيعال من الدوران، أي و لا تذر علي الإرض منهم أحداً يدور في الإرض بالذهاب و المجيء قال الشاعر:
و ما نبالي إذا ما كنت جارتنا ألا يجاورنا إلا ك ديار[٢]
أي إلا إياك، فجعل المتصل موضع المنفصل ضرورة. و قال الزجاج: تقول ما في الدار أحد، و لا بها ديار، و أصله ديوار (فيعال) فقلبت الواو ياء. و أدغمت إحداهما في الاخري. و الفاجر من فعل الفجور، و هي الكبيرة الّتي يستحق بها الذم. و (الكفار) من اكثر من فعل الكفر لأنه لفظ مبالغة. و كافر يحتمل القليل و الكثير.
ثم حكي ان نوحاً سأل اللّه تعالي فقال (رَبِّ اغفِر لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِمَن دَخَلَ بَيتِيَ مُؤمِناً وَ لِلمُؤمِنِينَ وَ المُؤمِناتِ) قيل المراد بالبيت مسجده. و قيل أراد سفينته.
و ذلک علي وجه الانقطاع اليه تعالي، لأنه لا يفعل معصية يستحق بها العقاب.
فأما والداه و المؤمنون و المؤمنات الّذين استغفر لهم فيجوز أن يکون منهم معاص يحتاج أن يستغفرها لهم.
[١] سورة ١١ هود آية ٣٦
[٢] أوضح المسالك ١/ ٦٠