تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٥٤
اما و اللّه إن لو كنت حراً و ما بالحر أنت و لا العتيق[١]
و الاستقامة الاستمرار في جهة العلو. و المستقيم من الكلام المستمر علي طريقة الصواب. و هو نقيض المحال. و الاستقامة علي طريق الحق الّتي يدعو اليها العقل طاعة اللّه. و المعني- هاهنا- في قول أكثر المفسرين: إنه لو استقام العقلاء علي طريقة الهدي و استمروا عليها و عملوا بموجبها لجازاهم علي ذلک بأن اسقاهم ماء غدقاً، يعني كثيراً. و الغدق بفتح الدال للمصدر، و بكسرها اسم الفاعل، و في ذلک ترغيب في الهدي. قال الفراء: معناه و أن لو استقاموا علي طريقة الكفر لفعلنا بهم ما ذكرناه تغليظاً للمحنة في التكليف، و لذلك قال (لِنَفتِنَهُم فِيهِ) أي نختبرهم بذلك و نبلوهم به. و غدق المكان يغدق غدقاً إذا كثر فيه الماء و الندي، و هو غدق- في قول الزجاج- و قوله (لِنَفتِنَهُم فِيهِ) معناه لنختبرهم و نعاملهم معاملة المختبر في شدة التعبد بتكليف الانصراف عما تدعو شهواتهم اليه، علي ما تقتضيه الحكمة في ذلک و الفتنة المحنة الشديدة، و المثوبة علي قدر المشقة في الصبر عما تدعو اليه الشهوة.
ثم قال تعالي مهدداً لهم و متوعداً (وَ مَن يُعرِض عَن ذِكرِ رَبِّهِ) و المعني من يعدل عن الفكر فيما يؤديه الي معرفة اللّه و توحيده و اخلاص عبادته، فالذكر حضور المعني الدال علي المذكور للنفس، و ضده السهو، و مثله حضور المعني بالقلب. و الفكر في وجوه السؤال عن المعني طلب للذكر له. و الفكر في البرهان طلب للعلم بصحة المعني المذكور و أنه حق و نقيضه باطل. و قوله «يَسلُكهُ عَذاباً صَعَداً» اي متصعداً في العظم. و قيل: متصعداً قد غمره و أطبق عليه. و معناه عذباً أشهد العذاب من قوله «سَأُرهِقُهُ صَعُوداً»[٢] فاما قول العرب: تنفس الصعداء علي وزن (فعلاء) أكثر كلامهم، و منه قيل تنفس صعداً علي وزن غرب و الصعود العقبة الشاقة. و قال الفراء:
[١] تفسير القرطبي ١٨/ ١٧
[٢] سورة ٧٤ المدثر آية ١٧