تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٨١
ذلک مصلحة للمكلفين. و قد بين ذلک بقوله «وَ ما جَعَلنا أَصحابَ النّارِ إِلّا مَلائِكَةً وَ ما جَعَلنا عِدَّتَهُم» أي لم نجعل من يتولي تدبير النار إلا من الملائكة و لم نجعلهم علي هذه العدة «إِلّا فِتنَةً» و محنة و تشديداً في التكليف «لِلَّذِينَ كَفَرُوا» نعم اللّه و جحدوا ربوبيته ليلزمهم النظر في ذلک، فلما كانت هذه العدة الّتي جعلت عليها الملائكة يظهر عندها ما کان في نفس الكافر مما يقتضيه كفره، کان فتنة له، لان الفتنة هي المحنة الّتي تخرج ما في النفس من خير او شر بإظهار حاله كإظهار الحكاية للمحكي. و الملك عبارة عما کان علي خلاف صورة الجن و الانس من المكلفين. و قال قوم: لا يکون ملكا إلا رسولا لأنه من الرسالة، کما قال الهذلي:
الكني اليها و خير الرسو ل أعلمهم بنواحي الخبر[١]
و أصله ملأك بالهمز کما قال الشاعر:
فلست لانسي و لكن بملإك تنزل من جو السماء يصوب[٢]
و الملك عظيم الخلق شديد البطش كريم النفس. و الأصل نفسه منشرحة بالطاعة انشراح الكريم بالجود، و أصله من النور. و وجه دلالة هذه العدة من الملائكة علي نبوة النبي صلي اللّه عليه و آله هو انه إذا کان اللّه- عز و جل- قد اخبر به في الكتب المتقدمة و لم يكن محمّد صلي اللّه عليه و آله ممن قرأها و لا تعلمها من أحد من النّاس دل علي أن اللّه أعلمه و انزل عليه به وحياً أبانه به من جميع الخلق ليدل علي صدقه مع انه احد الأشياء الّتي أخبر بها علي هذه الصفة «لِيَستَيقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ» و التقدير ليعلم أهل الكتاب يقيناً ان محمداً صادق من حيث اخبر بما هو في كتبهم من غير قراءة لكتبهم و لا تعلم منهم «وَ يَزدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً» أي و يزداد بذلك ايضاً المؤمنون الّذين عرفوا اللّه إيماناً مضافاً الي ايمانهم. و وجه المحنة علي الكفار بتكليفهم ان يستدلوا حتي
[١] مر في ٨/ ١١، ٢٩٩
[٢] اللسان (ملك)