تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٤٧
الإرض إذا دكت استوت في فراشها فذهبت دورها، و قصورها و سائر أبنيتها حتي تصير كالصحراء الملساء بها. قال إبن عباس: يوم القيامة تمد الإرض مداً كالأديم، و قوله (وَ جاءَ رَبُّكَ وَ المَلَكُ صَفًّا صَفًّا) معناه و جاء أمر اللّه أو عذاب اللّه و قيل: معناه و جاء جلائل آياته، فجعل مجيء جلائل الآيات مجيئاً له تفخيماً لشأنها و قال الحسن: معناه و جاء قضاء اللّه، کما يقول القائل: جاءتنا الروم أي سيرتهم.
و قال بعضهم: معني (جاء) ظهر بضرورة المعرفة، کما توصف الآية إذا وقعت ضرورة تقوم مقام الرؤية.
و قوله (وَ المَلَكُ صَفًّا صَفًّا) معناه كصفوف النّاس في الصلاة يأتي الصف الاول ثم الصف الثاني ثم الثالث علي هذا الترتيب، لان ذلک أشكل بحال الاستواء من التشويش و التخليط بالتعديل في الأمور، و التقويم أولي.
و قوله (وَ جِيءَ يَومَئِذٍ بِجَهَنَّمَ) أي أحضرت جهنم ليعاقب بها المستحقون لها و يري أهل الموقف هو لها، و عظم منظرها. و قوله (يَتَذَكَّرُ الإِنسانُ) اخبار منه تعالي بأن الإنسان يتذكر ما فرط فيه في دار التكليف من ترك الواجب و فعل القبيح و يندم عليه. ثم قال تعالي (وَ أَنّي لَهُ الذِّكري) و معناه من اينکه له الذكري الّتي کان أمر بها في دار الدنيا، فإنها تقوده إلي طريق الاستواء و تبصره الضلال من الهدي، فكأنه قال و أني له الذكري الّتي ينتفع بها، کما لو قيل يتندم و أني له الندم.
ثم حكي ما يقول الكافر المفرط الجاني علي نفسه و يتمناه، فانه يقول (يا لَيتَنِي قَدَّمتُ لِحَياتِي) أي يتمني انه کان عمل الصالحات لحياته بعد موته أو عمل للحياة الّتي تدوم له، فكان أولي بي من التمسك بحياة زائلة. ثم قال (فَيَومَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ) معناه في قراءة من كسر الذال إخبار من اللّه تعالي أنه لا يعذب عذاب اللّه