تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٣٢
تكون لغة.
يقول اللّه تعالي مخبراً عن نفسه «إِنّا أَرسَلنا نُوحاً» أي بعثنا نوحاً نبياً «إِلي قَومِهِ أَن أَنذِر قَومَكَ» أي بأن انذر قومك، فموضع (أن) نصب بسقوط الباء.
و قال قوم: موضعه الجر لقوة حذفها مع (أن). و قال آخرون: يجوز أن تكون (أن) بمعني أي المفسرة، فلا يکون لها موضع من الاعراب. و قرأ إبن مسعود «أرسلنا نوحاً إلي قومه أنذر» بلا (أن) لأن معني الإرسال معني القول فكأنه قال: قلنا له: أنذر قومك. و الانذار التخويف بالاعلام بموضع المخافة ليتقي.
و نوح عليه السلام قد انذر قومه بموضع المخافة و هي عبادة غير اللّه، و انتهاك محارمه، و أعلمهم وجوب طاعته و إخلاص عبادته. و قوله «مِن قَبلِ أَن يَأتِيَهُم عَذابٌ أَلِيمٌ» معناه أعلمهم وجوب عبادة اللّه و خوفهم خلافه من قبل أن ينزل عليهم العذاب المؤلم، فانه إذا نزل بهم العذاب لم ينتفعوا بالإنذار و لا تنفعهم عبادة اللّه حينئذ، لأنهم يكونون ملجئين إلي ذلک. و قال الحسن: أمره بأن ينذرهم عذاب الدنيا قبل عذاب الآخرة.
ثم حكي أن نوحاً عليه السلام امتثل ما أمره اللّه به و (قالَ) لقومه «يا قَومِ إِنِّي لَكُم نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعبُدُوا اللّهَ وَ اتَّقُوهُ» أي مخوفكم عبادة غير اللّه او أحذركم معصية اللّه مظهر ذلک لكم (وَ اتَّقُوهُ) بترك معاصيه «وَ أَطِيعُونِ» فيما أمركم به لأن طاعتي مقرونة بطاعة اللّه، و تمسككم بطاعتي لطف لكم في التمسك بعبادة اللّه، و اتقاء معاصيه، فلذلك وجب عليكم ما أدعوكم اليه علي وجه الطاعة، و طاعة اللّه واجبة عليكم لمكان النعمة السابغة عليكم الّتي لا يوازيها نعمة منعم.
ثم بين لهم ما يستحقون علي طاعة اللّه و طاعة رسوله فقال متي فعلتم ذلک «يَغفِر لَكُم مِن ذُنُوبِكُم» و دخلت (من) زائدة و قيل (من) معناها (عن)