تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٩٤
أحدهما- الابتداء، و الخبر (مَا الحَاقَّةُ) كأنه قال: الحاقة أي شيء هي.
الثاني- أن يکون خبر ابتداء محذوف، كأنه قيل هذه الحاقة، ثم قيل أي شيء الحاقة، تفخيماً لشأنها، و تقديره هذه سورة الحاقة و قوله (ما أَدراكَ مَا الحَاقَّةُ) قال سفيان: يقال للمعلوم ما أدراك، و لما ليس بمعلوم: و ما يدريك في جميع القرآن.
و إنما قال لمن يعلمها: ما أدراك لأنه إنما يعلمها بالصفة، فعلي ذلک قال تفخيماً لشأنها أي كأنك لست تعلمها إذا لم تعاينها و تري ما فيها من الأهوال.
و قوله (كَذَّبَت ثَمُودُ وَ عادٌ بِالقارِعَةِ) اخبار من اللّه تعالي أن ثمود- و هم قوم صالح- و عاداً- و هم قوم هود- كذبوا بيوم القيامة فأنكروا البعث و النشور و الثواب و العقاب. قال إبن عباس و قتادة: القارعة اسم من اسماء القيامة، و سميت القارعة، لأنها تقرع قلوب العباد بالمخافة إلي أن يصير المؤمنون إلي الأمن. و إنما حسن أن يوضع القارعة موضع الكناية لتذكر بهذه الصفة الهائلة بعد ذكرها بأنها الحاقة، و إلا کان يكفي ان يقول: كذبت ثمود و عاد بها. و قوله الحاقة، و الطامة[١] و الصاخة[٢]، اسماء يوم القيامة. و الوقف علي الحاقة حسن و أتم منه (ما الحاقة) و (ما أدراك) کل ما في القرآن بلفظ الماضي، فقد أدراه صلي الله عليه و آله، و ما کان بلفظ يدريه، فلم يعلمه، يقال: دريت الشيء دراية أي علمته، و دريت الصيد أي ختلته و درأته دفعته.
ثم اخبر تعالي عن كيفية إهلاكهم، فقال (فَأَمّا ثَمُودُ فَأُهلِكُوا بِالطّاغِيَةِ) فالطاغية مصدر مثل العاقبة، و المعني فأهلكوا بطغيانهم- في قول أبي عبيدة- و قيل:
معناه أهلكوا بالخصلة المتجاوزة لحال غيرها في الشدة، أهلك اللّه تعالي بها اهل الفساد. و قد مضي فيما تقدم أن اللّه أهلك ثمود بالصيحة العظيمة الّتي أصبحوا بها
[١] سورة ٧٩ النازعات آية ٣٤
[٢] سورة ٨٠ عبس آية ٣٣