تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٦٢
و قال ابو العالية: الشهيق في الصدر، و الزفير في الحلق و قوله (وَ هِيَ تَفُورُ) أي ترتفع، فالفور ارتفاع الشيء بالغليان، يقال: فارت القدر تفور فوراً و منه الفوارة لارتفاعها بالماء ارتفاع الغليان. و فار الدم فوراناً، و فار الماء يفور فوراً.
و قوله (تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيظِ) أي تكاد النار تتفرق و تنقطع من شدتها، و سمي شدتها و التهابها غيظاً لأن المغتاظ هو المتقطع بما يجد من الألم الباعث علي الإيقاع لغيره، فحال جهنم كحال المغتاظ، فالتميز التفرق و التمييز التفريق. و قال إبن عباس (تميز) أي تفرق، و هو قول الضحاك و إبن زيد.
و قوله (كُلَّما أُلقِيَ فِيها فَوجٌ) يعني كلما طرح في النار فوج من الكفار (سَأَلَهُم خَزَنَتُها أَ لَم يَأتِكُم نَذِيرٌ) يعني تقول لهم الملائكة الموكلون بالنار علي وجه التبكيت لهم في صيغة الاستفهام: أ لم يجئكم مخوف من جهة اللّه يخوفكم عذاب هذه النار!؟ فيقولون في جوابهم (بَلي قَد جاءَنا نَذِيرٌ) أي مخوف معلم (فَكَذَّبنا) و لم نصدقه و لم نقبل منه (وَ قُلنا ما نَزَّلَ اللّهُ مِن شَيءٍ) مما تدعوننا اليه و تحذروننا منه فتقول لهم الملائكة (إِن أَنتُم إِلّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ) أي لستم اليوم إلا في عذاب عظيم.
(وَ قالُوا) أيضاً يعني الكفار (لَو كُنّا نَسمَعُ) من النذر ما جاءونا به (أَو نَعقِلُ) ما دعونا اليه و عملنا به (ما كُنّا فِي أَصحابِ السَّعِيرِ) فقال اللّه تعالي (فَاعتَرَفُوا بِذَنبِهِم) يعني أقر اهل النار بمعاصيهم في ذلک الوقت ألذي لم ينفعهم الاعتراف.
فالاعتراف هو الإقرار بالشيء عن معرفة، و ذلک ان الإقرار مشتق من قرّ الشيء يقرّ قراً إذا ثبت، فالمقر في المعني مثبت له و الاعتراف مأخوذ من المعرفة. فقال اللّه تعالي (فَسُحقاً لِأَصحابِ السَّعِيرِ) أي بعداً لهم عن الخير و عن ثواب اللّه و نعمه، فكأنه قال اسحقهم اللّه سحقاً او ألزمهم اللّه سحقاً عن الخير فجاء المصدر علي غير