تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٥٩
و اخترع سبع سموات واحدة فوق الأخري (ما تَري فِي خَلقِ الرَّحمنِ مِن تَفاوُتٍ) يعني من اختلاف و تناقض، و ذلک يدل علي ان ما فيه تفاوت من الكفر و المعاصي ليس من خلق اللّه، لأنه نفي نفياً عاماً أن يکون فيما خلقه تفاوت. و تفاوت و تفوت مثل تصاعر و تصعر.
ثم نبه تعالي العاقل علي صحة ما قاله من انه ليس في خلق اللّه تفاوت.
فقال (فَارجِعِ البَصَرَ) أي فرد البصر و أدرها في خلق اللّه من السموات (هَل تَري مِن فُطُورٍ) أي من شقوق و صدوع يقال: فطره يفطره، فهو فاطر إذا شقه و منه قوله (تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرنَ مِنهُ)[١] أي يتصدعن. و قال إبن عباس:
معناه هل تري من وهن، و قال قتادة: من خلل. و قال سفيان: من شقوق. ثم أكد ذلک بقوله (ثُمَّ ارجِعِ البَصَرَ كَرَّتَينِ) أي دفعة ثانية، لان من نظر في الشيء كرة بعد أخري بان له ما لم يكن بايناً له.
ثم بين انه إذا فعل ذلک و تردد بصره في خلق اللّه انقلب اليه بصره و رجع اليه خاسئاً يعني ذليلا صاغراً- في قول إبن عباس- و ذلک كذلة من طلب شيئاً لم يجده و أبعد عنه «وَ هُوَ حَسِيرٌ» قال قتادة: معناه كالّ معيي، فالحسير الكليل، کما يحسر البعير.
ثم أقسم اللّه تعالي بقوله (وَ لَقَد زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنيا ...) لان لام (لقد) هي الّتي يتلقي بها القسم بأنه زين السماء أي حسنها و جملها أي السماء الدنيا بالمصابيح، يعني الكواكب و سميت النجوم مصابيح لإضاءتها، و كذلك الصبح. و المصباح السراج و واحد المصابيح مصباح. قال قتادة: خلق اللّه تعالي النجوم لثلاث خصال: أحدها زينة السماء. و ثانيها رجوماً للشياطين. و ثالثها علامات يهتدي بها، فعلي هذا يکون
[١] سورة ١٩ مريم آية ٩١