تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٥٨
في کل حال من مجيئ الموت ألذي ينقطع به استدراك ما فات، و مع التسوية بين الغني و الفقير و الملك و السوقة في الموت بما يقتضي قاهراً للجميع قد عمهم بحسن التدبير فقد أذل اللّه إبن آدم بالموت ليكون أبعد من الطغيان في حال التمكين من العصيان.
و في كون الموت معني خلاف بين الشيخين: أبي، و أبي هاشم.
و قوله (لِيَبلُوَكُم) معناه ليعاملكم معاملة المختبر بالأمر و النهي فيجازي کل عامل علي قدر عمله. و الابتلاء الاختبار. و قال الفراء و الزجاج: في الكلام إضمار و تقديره ليبلوكم فيعلم أيكم، لأن حروف الاستفهام لا تشغل إلا بفعل يتعلق بالجملة علي تقدير المفرد كقولك: علمت أزيد في الدار أم عمرو، و تقديره و قد علمت ان أحدهما في الدار (و عرفت، و نظرت) بمنزلة (علمت) في هذا، لأنها توافقها في (عرفت انه في الدار) و (نظرت بقلبي انه في الدار) و مثله (سَلهُم أَيُّهُم بِذلِكَ زَعِيمٌ)[١] أي سؤال من يطلب ان يعلم أيهم بذلك زعيم، و لو قلت اضرب أيهم ذهب لم يكن إلا نصباً، لأنه بمعني ألذي. و القديم تعالي و إن کان عالماً بالأشياء قبل كونها، فإنما يبتلي الخلق و يختبرهم اختبار من يطلب العلم، حتي يجازي علي الفعل بحسبه، و لما کان لم يحسن الثواب و العقاب و التعظيم و الإجلال إلا بعد وجود الطاعة و المعصية لم يكن بدّ من التكليف، و الأمر و النهي فأجري عليه الاختبار مجازاً.
و قوله (وَ هُوَ العَزِيزُ) في انتقامه من أعدائه و الكافرين لنعمه، لا يقدر أحد علي مغالبته و مقاهرته، غفور لمن تاب اليه، او إن يريد التفضل بإسقاط عقابه و لا يصح التكليف إلا مع الترغيب و الترغيب، لأن التمكين من الحسن و القبيح يقتضي ذلک، و التكليف تحميل المشقة في الأمر و النهي.
ثم عاد إلي صفات نفسه فقال (الَّذِي خَلَقَ سَبعَ سَماواتٍ طِباقاً) أي انشأ
[١] سورة ٦٨ القلم آية ٤٠