تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٥٤
الثاني للمؤمنين، لما كانت امرأة فرعون مؤمنة، فقال «وَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امرَأَتَ فِرعَونَ» و اسمها آسية. و المثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني بالأول. فهذه الآية فيها قول فيه تشبيه حال المؤمنة الّتي زوجها كافر بحال امرأة فرعون في انه لا يضرها كفره مع قربها منه، کما أن امرأة نوح و امرأة لوط، لم ينفعهما نبوتهما و إيمانهما حين كانتا كافرتين.
و قوله «إِذ قالَت» أي حين قالت امرأة فرعون داعية الله «رَبِّ ابنِ لِي عِندَكَ بَيتاً فِي الجَنَّةِ وَ نَجِّنِي» أي و خلصني «مِن فِرعَونَ وَ عَمَلِهِ» يعني من مثل سوء عمله «وَ نَجِّنِي مِنَ القَومِ الظّالِمِينَ» يعني الّذين ظلموا أنفسهم بالكفر بالله و استحقوا لذلك العقاب. و إنما دعت بالخلاص من عمل الكفار بأن سألت الله تعالي أن يلطف لها في التمسك بالايمان، و ألا تعتر بتمكين الله لفرعون و كفار قومه و طول سلامته و سوابغ نعمته عليهم و الانس به لطول مخالطته و صحبته، فربما أفتنت من هذه الوجوه، فدعت بهذا ليلطف الله لها في ذلک و تبقي علي التمسك بالايمان.
و قوله (وَ مَريَمَ ابنَتَ عِمرانَ) يحتمل ان يکون عطفاً علي قوله (امرأة فرعون) فلذلك نصبه. و العامل (و ضرب) فكأنه قال: و ضرب مثلا مريم ابنت عمران، و يحتمل ان يکون نصباً علي تقدير و اذكر أيضاً مريم بنت عمران (الَّتِي أَحصَنَت فَرجَها) فاحصان الفرج منعه من دنس المعصية يقال: أحصن يحصن إحصاناً، و منه الحصن الحصين، لأنه بناء منيع، و الفرس الحصان ألذي يمنع من ركوبه إلا مقتدراً علي تلك الحال، و امرأة حصان- بفتح الحاء- لأنها تمنع من لمس الحرام.
و قوله (فَنَفَخنا فِيهِ مِن رُوحِنا) قال قتادة معناه فنفخنا في جيبها من روحنا و قال الفراء: کل شق فهو فرج فاحصنت فرجها منعت جيب درعها من جبرائيل عليه السلام و الظاهر انه أراد الفرج ألذي يكني عنه. و قوله (فيه) يعني في الفرج، فلذلك