تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٤٣
قطعوا الصخر من الجبال بشدة قوتهم، يقال: جاب يجوب إذا قطع قال النابغة:
أتاك ابو ليلي يجوب به الدجي دجي الليل جواب الغلاة غشمشم
قال مجاهد: قطعوا الجبال بيوتاً کما قال (وَ تَنحِتُونَ مِنَ الجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ)[١] و قوله (وَ فِرعَونَ ذِي الأَوتادِ) قال إبن عباس: معناه ذي الجنود الّذين كانوا يشدون أمره. و قال مجاهد: کان يوتد الأوتاد في أيدي النّاس. و قال قتادة: ملاعب کان يلعب له فيها، و يضرب تحتها بالأوتاد. و قيل: ذي الأوتاد لكثرة الأوتاد الّتي كانوا يتخذونها للمضارب و لكثرة جموعهم، و کان فيهم أكثر منه في غيرهم. و قيل: إن فرعون کان إذا غضب علي الرجل مده بين أربعة أوتاد حتي يموت.
و قوله (الَّذِينَ طَغَوا فِي البِلادِ) معناه إن هؤلاء الّذين ذكرناهم تجاوزوا في الظلم الحد في البلاد، و خرجوا عن حد القلة و فسر ذلک بقوله (فَأَكثَرُوا فِيهَا الفَسادَ) يعني أكثروا في البلاد الفساد، ثم بين ما فعل بهم عاجلا فقال (فَصَبَّ عَلَيهِم رَبُّكَ) يا محمّد صلي اللّه عليه و آله (سَوطَ عَذابٍ) أي قسط عذاب كالعذاب بالسوط ألذي يعرف إلا أنه أعظم، و يجوز أن يکون عني قست عذاب يخالط اللحوم و الدماء کما يخالط بالسوط من قولهم: ساطه يسوطه سوطاً فهو سائط قال الشاعر:
أ حارث إنا لو تساط دماؤنا تزايلن حتي لا يمس دم دما[٢]
و قيل: المعني إنه جعل سوطه ألذي ضربهم به انه صب عليهم العذاب، و قوله (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرصادِ) معناه إن ربك يا محمّد لا يفوته شيء من اعمال العباد کما لا يفوت من بالمرصاد. و المرصاد مفعال من رصده يرصده رصداً، فهو راصد إذا راعي ما يکون منه ليقابله بما يقتضيه، و
قيل لأمير المؤمنين عليه السلام اينکه کان ربنا قبل
[١] سورة ٢٦ الشعراء آية ١٤٩
[٢] تفسير الشوكاني ٥/ ٤٢٤