تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٧٣
«مِن أَيِّ شَيءٍ خَلَقَهُ» تعجيباً له، لأنه يعلم أن اللّه خلقه من نطفة، ثم بين تعالي مما ذا خلقه فقال «مِن نُطفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ» فالتقدير جعل الشيء علي مقدار غيره، فلما کان الإنسان قد جعل علي مقدار ما تقتضيه الحكمة في أمره من غير زيادة و لا نقصان کان قد قدر أحسن التقدير، و دبر أحسن التدبير «ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ» أي سهل له سبيل الخير في دينه و دنياه بأن بينه له و أرشده اليه و رغبه فيه، فهو يكفر هذا كله و يجحده و يضيع حق اللّه عليه في ذلک من الشكر و إخلاص العبادة. و قال إبن عباس و قتادة و السدي: يسر خروجه من بطن أمه. و قال مجاهد: سهل له طريق الخير و الشر، كقوله «إِنّا هَدَيناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَ إِمّا كَفُوراً»[١]. و قال الحسن: سبيل الخير، و قال إبن زيد: سبيل الثواب، و قال الحسن «يسره»: معناه بصره طريق الهدي و الضلال. و قيل يسر خروجه من بطن أمه، فانه کان رأسه الي رأس أمه و رجلاه إلي رجليها، فقلبه اللّه عند الولادة ليسهل خروجه منها. و قالوا: يسري و يسراة جمعوه علي (فعلة) و أجروه مجري (فاعل) من الصحيح.
و قوله «ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقبَرَهُ» فالاماتة أحداث الموت. و في النّاس من قال:
الاماتة عرض يضاد الحياة مضادة المعاقبة علي الحال الواحدة، و هي حال تعديل البنية الحيوانية، و ذلک أن ما لا يصح أن تحله حياة لا يصح أن يحله موت. و قال قوم: الموت عبارة عن نقض البنية الحيوانية أو فعل ما ينافي ما تحتاج اليه الحياة من الرطوبات و المعاني. و قوله «فَأَقبَرَهُ» الإقبار جعل القبر لدفن الميت فيه، يقال:
أقبره إقباراً، و القبر الحفر المهيأ للدفن فيه، و يقال: أقبرني فلاناً أي جعلني اقبره فالمقبر هو اللّه تعالي يأمر عباده أن يقبروا النّاس إذا ماتوا، و القابر الدافن للميت
[١] سورة ٧٦ الإنسان آية ٣