تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٣٨
ذلک بحدوث نفسه. و قد يکون بحدوث غيره له. و الجعل علي أربعة أوجه:
أولها- أحداث النفس، كجعل البناء و النساجة و غير ذلک.
و الثاني- بقلبه، كجعل الطين خزفاً.
و الثالث- بالحكم كجعله كافراً أو مؤمناً.
و الرابع- بالدعاء إلي الفعل كجعله صادقاً و داعياً.
و النور جسم شعاعي فيه ضياء كنور الشمس، و نور القمر، و نور النار، و نور النجوم، و شبه بذلك نور الهدي الي الحق. فاللّه تعالي جعل القمر ضياء في السموات السبع- في قول عبد اللّه بن عمر- و قيل: جعله نوراً في ناحيتهن «وَ جَعَلَ الشَّمسَ سِراجاً» فالسراج جسم يركبه النور للاستصباح به، فلما كانت الشمس قد جعل فيها النور للاستضاءة به كانت سراجاً، و هي سراج العالم کما أن المصباح سراج هذا الإنسان.
و قوله «وَ اللّهُ أَنبَتَكُم مِنَ الأَرضِ نَباتاً» فالانبات إخراج النبات من الإرض حالا بعد حال. و النبات هو الخارج بالنموّ حالا بعد حال، و التقدير في «أنبتكم نباتاً» أي فنبتم نباتاً، لان أنبت يدل علي نبت، من جهة انه متضمن به.
و قوله «ثُمَّ يُعِيدُكُم فِيها» فالاعادة النشأة الثانية، فالقادر علي النشأة الأولي قادر علي الثانية، لأنه باق قادر علي اختراعه من غير سبب يولده. و المعني إن اللّه يردّكم في الإرض بأن يميتكم فتصيروا ترابا کما كنتم أول مرة «وَ يُخرِجُكُم إِخراجاً» منها يوم القيامة کما قال «مِنها خَلَقناكُم وَ فِيها نُعِيدُكُم وَ مِنها نُخرِجُكُم تارَةً أُخري»[١] ثم قال «وَ اللّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأَرضَ بِساطاً» أي مبسوطة يمكنكم المشي عليها و الاستقرار فيها. و بين أنه إنما جعلها، كذلك «لِتَسلُكُوا مِنها سُبُلًا فِجاجاً» فالفجاج
[١] سورة ٢٠ طه آية ٥٥