تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٠٩
قول شاعر فقال «وَ ما هُوَ بِقَولِ شاعِرٍ» فالشاعر هو المبتدئ بإنشاء الشعر، و لا يکون حاكي الشعر شاعراً، کما يکون حاكي الكلام متكلماً، لأنه يحكي شعراً انشأه غيره، و إنما نزه اللّه تعالي نبيه عن الشعر و منعه منه، لان الغالب من حال الشاعر أنه يدعو إلي الهوي، و الرسول يأتي بالحكمة الّتي يدعو اليها العقل للحاجة إلي العمل عليها و الاهتداء بها، مع انه بين أن القرآن صنف من الكلام خارج عن الأنواع المعتادة، و ذلک أدل علي إعجازه لبعده عما جرت به العادة في تأليف الكلام، قال قتادة: طهر اللّه نبيه من الشعر و الكهانة و عصمه منهما.
و قوله تعالي «قَلِيلًا ما تُؤمِنُونَ» معناه قليلا بما ذكرناه إيمانكم (و ما) مصدرية و قال قوم (ما) صلة، و تقديره قليلا تؤمنون بما ذكرناه أي لستم تؤمنون به.
و قوله «وَ لا بِقَولِ كاهِنٍ» فالكاهن هو ألذي يسجع في كلامه علي ضرب من التكلف لتشاكل المقاطع، و هو ضد ما توجبه الحكمة في الكلام، لأنها تقتضي أن يتبع اللفظ المعني، لأنه إنما يحتاج إلي الكلام للبيان به عن المعني، و إنما البلاغة في الفواصل الّتي يتبع اللفظ فيها المعني، فتشاكل المقاطع علي ثلاثة أضرب: فواصل بلاغة، و سجع كهانة، و قواف تتبع الزنة، و الكاهن ألذي يزعم ان له خدمة من الجن تأتيه بضرب من الوحي. و قوله «قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ» أي تتفكرون قليلا فيما ذكرناه، فلذلك لا تعلمون صحة ما قلناه، و لو انعمتم النظر لعلمتم صحته.
ثم قال «تَنزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ» أي هو تنزيل نزله اللّه رب العالمين علي رسوله.
و قوله «وَ لَو تَقَوَّلَ عَلَينا بَعضَ الأَقاوِيلِ» اخبار من اللّه تعالي علي وجه القسم أن هذا الرسول ألذي حكي بأن القرآن نزل عليه من عند اللّه و هو محمّد صلي اللّه عليه و آله لو تقول علي اللّه في بعض كلامه، و معناه لو كذب علينا في بعض ما لم يؤمر به،