فوائد الاُصول - الغروي النّائيني، الميرزا محمد حسين - الصفحة ٥١٢ - الأمر الثاني
و الطبيعة بلحاظ مرآتيّة العنوان لما ينطبق عليه في الخارج، بحيث يرد الحكم على الخارجيّات بتوسط العنوان الجامع لها. و بذلك تمتاز القضيّة الحقيقية عن القضيّة الطبيعيّة، حيث انّ الحكم في القضيّة الطبيعيّة وارد على نفس الطبيعة، لا بلحاظ وجودها الخارجي، بل بلحاظ تقرّرها العقلي، كما في قولك: الإنسان نوع، أو كلّي، و غير ذلك من القضايا الطبيعيّة. و هذا بخلاف القضيّة الحقيقيّة، فانّ الحكم فيها و ان رتّب على الطبيعة لكن لا بلحاظ تقرّرها العقلي، بل بلحاظ تقرّرها الخارجي، و هو معنى لحاظ العنوان مرآة لما في الخارج.
و ممّا ذكرنا ظهر: المائز بين القضيّة الخارجيّة و القضيّة الحقيقيّة أيضا، فانّ الحكم في القضيّة الحقيقيّة كما عرفت مترتّب على الخارج بتوسط العنوان، و امّا في القضيّة الخارجيّة فالحكم فيها ابتداء مترتب على الخارج بلا توسط عنوان، سواء كانت القضيّة جزئيّة أو كليّة، فانّ الحكم في القضيّة الخارجيّة الكليّة أيضا انّما يكون مترتبا على الأفراد الخارجيّة ابتداء، من دون ان يكون هناك بين الأفراد جامع اقتضى ترتب الحكم عليها بذلك الجامع، كما في القضيّة الحقيقيّة. و لو فرض انّ هناك جامعا بين الأفراد الخارجيّة فانّما هو جامع اتفاقيّ، كما في قولك: كلّ من في العسكر قتل، و كلّ ما في الدار نهب، فانّ قولك: كلّ من في العسكر قتل، بمنزلة قولك: زيد قتل، و عمرو قتل، و بكر قتل، و ليس بين قتل زيد و عمرو و بكر جامع عنواني اقتضى ذلك الجامع قتل هؤلاء، بل اتّفق انّ كلّا من زيد و عمرو و بكر كان في المعركة، و اتفق انّهم قتلوا، و أين هذا من القضيّة الحقيقية التي يكون فيها جامع بين الأفراد؟ بحيث متى تحقّق ذلك الجامع ترتّب الحكم، سواء في ذلك الأفراد الموجودة و الّتي توجد بعد ذلك. و لأجل ذلك تقع القضيّة الحقيقيّة كبرى لقياس الاستنتاج، و تكون النتيجة ثبوتا و إثباتا موقوفة على تلك الكبرى، بحيث يتوصّل بتلك الكبرى بعد ضمّ الصغرى إليها إلى امر مجهول يسمّى بالنتيجة، كما يقال: هذا خمر و كلّ خمر يحرم، فانّ حرمة هذا الخمر انّما يكون ثبوتا موقوفا على حرمة كلّ خمر، كما انّ العلم بحرمة هذا الخمر يكون موقوفا على العلم بحرمة كلّ خمر، فالعلم بالنّتيجة يتوقّف على العلم بكليّة الكبرى، و امّا العلم بكليّة الكبرى فلا يتوقّف