صحيفة الإمام( ترجمه عربى) - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٣٤٠ - خطاب
معينة، والمثقفون يفكرون بنحو خاص، والمؤمنون يفكر كل واحد منهم بشكل معين، وكلهم قاصرون عن الوصول إلى ما هو موجود. إن القول المأثور (من عرف نفسه فقد عرف ربه) [١] يفهمنا أن الإنسان موجود إذا عُرِفَ فسوف يُعرف به الله. وهذا ما لا يصدق على أي موجود آخر. لا يستطيع ان يعرف رب الانسان الا من عرف نفسه، ومعرفة الذات التي تستتبع معرفة الله لا تحصل الا لكمّل اولياء الله. وينبغي عدم تصور أن الإسلام جاء لإدارة هذه الدنيا، أو أنه جاء لمجرد توجيه الناس نحو الآخرة، أو أنه جاء ليعرف الناس بالمعارف الإلهية. الاقتصار على جانب واحد من هذه الجوانب خلاف الحقيقة مهما كان. الإنسان غير محدود ومربي الإنسان غير محدود، ومنهاج تربية الإنسان الذي هو القرآن غير محدود، ليس محدوداً بعالم الطبيعة والمادة، ولا بعالم الغيب، ولا بعالم التجرد، بل هو كل شيء.
ربُّ الرسول، المربّي الكامل للتربية
يقال أن أول سورة نزلت على الرسول (إقرأ باسم ربك) [٢] لم تقل (إقرأ باسم الله)، أو (إقرأ باسم الناس)، بل (إقرأ باسم ربك) أي رب الرسول، أي الذي ربى الرسول الأكرم، أي الله تبارك وتعالى بكل الاسماء والصفات. رب الرسول الأكرم الإنسان الكامل، الذاتُ المقدسة للحق تعالى بكل الاسماء والصفات، واسماء الحق تعالى وصفاته محيطة بكل الموجودات، وبعبارة أخرى فإن كل الموجودات هي ظهور للاسماء والصفات الإلهية. والله تبارك وتعالى إذ يأمر (اقرأ باسم ربك) أي اقرأ بهذا الاسم الذي يحتوي كل الاسماء والصفات، والمربي بكل معنى التربية في عالم الطبيعة، وفي عالم ما وراء الطبيعة، التربية المناسبة لعالم المجردات وعالم الجبروت وكل العوالم، هذا هو رب الرسول. والرسول مكلف بان يقرأ، فأول ما أمر به حسب هذه الرواية هو القراءة والتعليم والتربية. وكأنه يريد القول أن هذا الرب الذي هو ربك والمحيط بكل الموجودات، يأمرك ان تقرأ وتربي الناس على هذا الطريق، رب الرسول، رب الرسول الخاتم، الرسول مكلف بدعوة الناس إلى رب الرسول، إلى رب الرسول الأكرم ورب الرسول الخاتم. ولأجل هذا نزل القرآن، ولأجل هذا جاء الإسلام، من أجل أن يتربى الناس، فلولا التربية لكانوا أشد افتراساً وايذاءً من كل الحيوانات. الإنسان موجود إذا لم يخضع للتربية، فلن يجاريه حيوان ولا موجود في العالم خطورةً وايذاءً. كل الأنبياء بعثوا لتربية هذا الموجود الذي لو ترك لحاله لأفسد العالَم. وللأسف فإن الأنبياء بدورهم لم ينجحوا في تحقيق مهمتهم.
(والعصر إن الإنسان لفي خسر) [٣] من المحتمل أن يكون العصر في زماننا هذا الامام المهدي--
[١] غرر الحكم، ص ٢٣٢
[٢] سورة العلق، الآية ١.
[٣] سورة العصر، الآيتان ١ و ٢.