الـفتوحات المکية طبع الهيئه المصريه العامه للکتاب - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٥٤ - (الحياة النفسية بعد الموت)
(٣١٩-ا)و قد رأيت ذلك لوالدي-رحمة اللّٰه!-.يكاد أنا ما دفناه إلا على شك:مما كان عليه،في وجهه،من صورة الأحياء،و مما كان، من سكون عروقه و انقطاع نفسه،من صورة الأموات.و كان قبل أن يموت، بخمسة عشر يوما،أخبرنى بموته،و أنه يموت يوم الأربعاء.و كذلك كان.
فلما كان يوم موته-و كان مريضا شديد المرض-استوى قاعدا،غير مستند، و قال لي:"يا ولدى!اليوم يكون الرحيل و اللقاء."فقلت له:"كتب اللّٰه سلامتك في سفرك هذا،و بارك لك في لقائك!"ففرح بذلك و قال لي:
"جزاك اللّٰه-يا ولدى!-عنى خيرا.كل ما كنت أسمعه منك تقوله و لا أعرفه، و ربما كنت أنكر بعضه،هو ذا أنا أشهده."ثم ظهرت على جبينه لمعة بيضاء،تخالف لون جسده،من غير سوء.له نور يتلألأ.فشعر بها الوالد.
ثم إن تلك اللمعة انتشرت على وجهه إلى ان عمت بدنه.فقبلته و وادعته و خرجت من عنده.و قلت له:"أنا أسير إلى المسجد الجامع،إلى أن يأتيني نعيك."فقال لي:"رح!و لا تترك أحدا يدخل على."و جمع أهله و بناته.-فلما جاء الظهر،جاءني نعيه.فجئت إليه، فوجدته على حالة-يشك الناظر فيه-بين الحياة و الموت.و على تلك الحالة دفناه.و كان له مشهد عظيم.-فسبحان من يختص برحمته من يشاء-