الـفتوحات المکية طبع الهيئه المصريه العامه للکتاب - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٢٦ - (قلب المؤمن عرش الرحمن)
(٢٩٢)فعلمت أن هذه"السعة"إنما قبلها العبد المؤمن،لكونه على "الصورة".كما قبلت المرآة صورة الرائي،دون غيرها مما لا صقالة فيه و لا صفاء.و لم يكن هذا للسماء،لكونها شفافة،و لا للأرض،لكونها غير مصقولة.فدل على أن خلق الإنسان،و ان كان عن حركات فلكية-هي أبوه- و عن عناصر قابلة له-و هي أمه-،فان له،من جانب الحق،"أمرا"ما هو في"آبائه"و لا في"أمهاته"،من ذلك"الامر" وسع جلال اللّٰه-عز و جل!-.إذ لو كان ذلك من قبل أبيه الذي هو السماء، أو أمه التي هي الأرض،أو منهما-لكان السماء و الأرض أولى بان يسعا الحق ممن تولد عنهما.و لا سيما و اللّٰه يقول: لَخَلْقُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّٰاسِ وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَ النّٰاسِ لاٰ يَعْلَمُونَ -يريد في المعنى لا في الجرمية.- و مع هذا،فاختص الإنسان بامر أعطاه هذه السعة،التي ضاق عنها السماء و الأرض.فلم تكن له هذه"السعة"إلا من حيث"أمر"آخر-من اللّٰه- فضل به على السماء و الأرض.
(٢٩٣)فكل واحد من العالم،فاضل مفضول.فقد فضل كل واحد من العالم من فضله،لحكمة الافتقار و النقص الذي هو عليه كل ما سوى اللّٰه.